أخبار عاجلة
الرئيسية / قراءات / إضاءة نقدية في : أشجارٌ لاهثةٌ في العراء لسعد ياسين يوسف .. قصائد في زمن الفوضى ! _ الناقد نعمة يوسف – بغداد – هولندا

إضاءة نقدية في : أشجارٌ لاهثةٌ في العراء لسعد ياسين يوسف .. قصائد في زمن الفوضى ! _ الناقد نعمة يوسف – بغداد – هولندا

لجمالية الشعر والصورة علاقة أزليه ,تختلط بفصاحة اللفظ وبلاغته والتجديد في مكونات الصورة والإيقاع فضلاً عن استخدام جديد للخطاب الشعري بوصفه رسالة لها أهدافها الجمالية والإنسانية التي يؤمن بها الشاعرمبتكر تلك الرسالة, ومن ضرورات الشاعر الملحة هي الانفتاح على المجتمع لتقديم منجزه الشعري وصولاً إلى القارئ عبر مجموعة من القيم والأخلاق ومآلات الإبداع والتميز في شعريته التي تعبر عن المحاكاة والإدراك للمتغيرات التي تتضمنها الصورة الشعرية بين أفعالها وحركتها , أبعادها تركيبها , بنائها , وقيمة الوعي الذي تنتجه .

أشجار لاهثة في العراء .. قصائد :

في قراءتي لهذه القصائد التي تعبر عن مستوى الإبداع والتألق في الشعر والفكر والوعي والجمال من خلال مجموعة عقد متشابكة تحملها هذه القصائد الشعرية التي تؤكد في طياتها (( فلسفة الشاعر عن الحياة والصراع الدرامي )) الذي يتمثل في لهاث أشجاره في العراء , وهي واقفة باسقة , تتنفس الصعداء كأنَّها تجري في سباق مارثوني رافضة الذبول والموت ورمال الصحراء ..

(( وكلَّما آلتْ إلى الذبول ِ
نفختْ فيها من وردِها

وأوحتْ إلى أنوارِها

إذ استبدَّ بها هاجس ُالأفولِ  …
أنِ ارقصي على مرآة ِ
هذا الماءِ  …
بكلِّ  ما لديكِ من جنونِ حزنِك المُعتَّقِ

في صدرِ الغريقِ ….))

والذي يذهل في الأمر أنَّ هذا الصراع المتمثل في قوة الأشجار وصمودها لا يتوقف , وإنما يدافع عن نفسه حتى الرمق الاخير من جراء العطش والشمس والجفاف والمطر لتتحمل صيرورة الاستمرارية في العيش ! كل هذا التحدي في زمن الفوضى , والجوع الذي يحيط بها , في زمن أغتيلت فيه هذه الاشجار , وتشوهت معالمها .

((الشَّجرةُ الَّتي

غادرَها الحطّابون شتاءً

بعد أنْ أسالوا دمَها الأخضرَ

وقطّعوا  جذعَها مقاعدَ  لجلوسهم

وأحرقوا غصونَها لدفءِ مَلذّاتهم

في حفلِ شواءٍ لم تشهدْهُ الغابةُ من قبلُ

لوّحتْ للرَّبيعِ ….

بغصنٍ صغيرٍ يرفعُ سبَّابتَهُ نحوَ الأعلى

هو الأقربُ إلى الأرضِ ….))

صراع الأشجار من أجل البقاء بفكر الشاعر المبدع سعد ياسين يوسف جاء ليقول لنا : مع تطورات الزمن الصعب , تؤجج لنا ثورة جديده , تختفي تحت جذور هذه الأشجار , محاولة النهوض ما تستطيع أن تنهض به هذه الأشجار التي تأخذ أكثر من معنى كشخصيات حيّة يوميه حياتيه ، لذا نراه يُلبسها أحيانا ثوب الحرية , والجمال , والتحرر,ويجعل منها وسيلة لعنفوان ثورته التي تعبر عن روح الشباب , من خلال الواقع المعيش مروراً بالأساطير وبمفرداتها , متقناً جماليات الشعر واللغة والخيال والشاعرية في مستوى التطبيق , ومحاولا عدم الخروج عن عنوانات قصائده ومنطوقها الفعلي بمعنى اللهاث كما جاء في قصائده لتثبيت العلاقة الجمالية بين حكايا الأشجار بالمقاييس المعروفة بفن الشعر واللغة والأسلوب .

فمن ” شجر بعمر الأرض ” و”شجر الأنبياء ” , و ” أشجار خريف موحش ” , مرورا على “الأشجار لا تغادر أعشاشها ” , وصولا الى “أشجار لاهثة في العراء ” ! تلبس لغة الشاعر مرة أخرى ألواناً متعددة , مرة عارية كالخريف حين تتساقط أوراقه . ومرة ندية تعانق أمطار الحبّ مثمرة , متأملة , كأنَّها الربيع , الربيع الذي لم يأت بعد ! قصائد فيها من الشاعرية والشعرية التي تعانق الأشجار بلغة حميمية , علاقة عاشق ومعشوق .

(( مذُ أحببتُكِ

قضى سبحانَهُ

أنْ نظلَّ رافعي رؤوسِنا

ونحنُ ننظرُ إلى بهائكِ .))

لقد أتقن الشاعر توظيف موروث الحياة الشعبية , المليئة بالحكم والجمال الفلسفي في قصائده ,لجعلها شاهدة على العصر في كلِّ ما يجري اليوم . هذه الأشجار التي يرمز لها الشاعر , ما هي إلا كائنات حيَّة , ورقصات وجع , وألم رسمها الشاعر عبر جسدها اللاهث في ذلك العراء ,وهي تصبو نحو الحياة والحلم الذي ينتظر القصيدة والشجرة معا , في الضفة الأخرى عند القارئ كما في ” شجرة القصيدة ”

((  بعَصَاها …

أشقُّ  بحارَ الظُّلمة ِ

كي تعبرَ – نحوَ الضَّفةِ الأخرى –

أحلامٌ عافتها أشرعةُ السّفنِ … ))

أشجار وقصائد , حالتان تنتميان للحياة وللاتصال , وليس للموت أو الانفصال ، فيهما الجمال الروحي لهذا الكائن الذي يعيش التعددية في الحياة وليس الفرديه .. قصائد تعلو كأشجار باسقات , عاليات في سماوات الحبّ وبفضاءات الجمال ليس لهنَّ آخِر , مثل كائنات حاملة على كفها أرواح تعيش بيننا ، غادرتنا ومازالت معنا , ونحن معها نلتحف في عراء أسئلة الغياب التي لا تغادرنا أبدا ! كما في قصيدته “أغصان عارية”

(( كلَّما أوغلت ُ في مدارجِ لهفتي اليك ِ

ونزَلتُها واحدة ً واحدةً

باسطاً يديَّ أمامي

مغلقاً عيني ، سائراً في حُلمي

عانقَني صدى صوتِكِ من مجرَّةٍ بعيدة ٍ

وهو يردّدُ  بما يشبه ُ الغيابَ

حروف َ اسمي …))

قصائد متعددة , لكل قصيدة جذر , وغصن ,وأفانين ,وأحلام , وهديل ,مرآة ونبض ,قصائد تحلق , وقصائد نراها كخيمة , وأخرى عشبة , يلف هذه القصائد والأشجار اللوعة والحنين , لوعة العبور للضفة الأخرى كي تمارس طقوس الدخول في تراتيل الليل , أشجار شاعر بدأت كنبتة في هذا العراء المتعدد البلاءات , وتحت تناقضات الواقع وما يحيط به نمت وكبرت وانتشرت كغابات للحبّ والجمال كما أراد لها شاعرنا المبدع سعد ياسين يوسف ! هي أشجار لاتموت في فكر الشاعر  الذي يدرك أسرار أشجاره وعلاقة الحب التي تربطهم معا لذا يكتب متفائلا وهو يسلط وينشر الضوء على كلِّ غصن من أغصانها حتى في غابة العتمة .

شاعر يدافع بشدة دون وجل أو تردد أو خوف معلن عن كينونة أشجاره , كأنه يدافع عن الحرية برمتها ,قصائده أشجاره هي خالدة ستبقى كلما يتقدم بها العمر , لإنها تحمل صفات عشبة الديمومة والخلود , كعشبة جلجامش رمزيا .. أليس هو ابن الجنوب ابن مدينة العمارة ميسان  وهي تتأقلم مع كل العراء الذي يحيط بها ؟!

(( المدينة ُ…

الَّتي وطأتْها قدماكِ العاريَتان

هي روحي الدّافئةُ الَّتي

لن تَصِلي قواميسَ تراتيلِها

المعذّبةِ بالتّهجّدِ

وهي تشتعلُ فيَّ خشوعاً

فتضيءُ لي النّوافذَ الَّتي

كلَّما فتحتُها ، أطلقتُ

يماماتِ بخورِها

هَبّتْ عواصفُ ثلجِكِ …))

ثالوث متنوع : أشجار , قصائد , أفكار

يدون هذا الثالوث كتاريخ , أو يرسمه لوحات ,أو جروح متخمة لا يمكن علاجها اليوم ! إنما يتركها تعالج نفسها بنفسها ! لأنه لا يريد القول أبداً أنَّ الأشجار تموت وهي واقفة ! لأنه يعتبر هذا الثالوث حضارة خاصة لهذه الأشجار الشاهدة كأنها عيون على الجرائم والشر الذي يحدث تحت ظلالها . ثالوث يصل بالقارئ إلى القاع بكلِّ أنواعه : قاع الوجع والألم . قاع اللهاث والعطش . قاع الجنون والموت والصبر والتحمل , والبكاء . مع كل هذا نراه ملتزما بالدفاع عن ثبات هذه الأشجار ونجاح تجربتها في الصمود أمام صراعات الطبيعة والبشر ..

سعد ياسين يوسف , شاعر لا يستطيع العيش إلا مع الحبّ ! وهذا هو حال أشجاره ولسانه وأفكاره , يرسم عالمه السرمدي معتمدا على قلبه الشفاف الطيب الكبير الذي يضم فيه غابات من أشجاره الجميلة , وهو كالبستاني الذي يسقي بساتينه ماء الحبّ والحياة والألوان والجمال والصبر , كأنه يسكر بعشق أشجاره ، وهو العارف المتمرس في معنى الحياة والعشق معا اللذان يشكلان له معنى ودلالة في جمال الطبيعة والحياة وارتباطهما بحياة البشر عبر فصولها المختلفة.

(( غدا ً..

حينما تجدينَ نفسَكِ فجأةً

في ربعِ عمركِ الخالي

تتأمَّلين عروقَ يديكِ الزَّرقاءَ

كأنهارٍ تصبُّ في الفراغِ

ثمارَكِ الَّتي جفّت ْ

التَّجاعيدَ الَّتي جرّحتْ مرآتَكِ .

كلُّ ما حولَك غيابٌ …..

عاريةً من تعاويذهِ الزَّائفةِ

ستدركينَ بألم ٍ :

إنَّ القصائدَ الَّتي

لاتُنبتُ أشجاراً تظلّلُ غربتَكِ

ليستْ سوى

عصافيرَ ميّتةٍ….))

الأشجار في الشعر .. لوحات فنية جديده :

في التفاتة أخرى نراه يرسم أشجاره في قصائده كأنثى مليئة بالمشاعر والأحاسيس فحينما تُهمل , تصرخ بوجه التفاهة , وحينما يعتنى بها , تبتسم وتفرح بعيدا عن الشعور باليأس , أشجار تتحول الى لوحات فنيه في مخيلة القارئ ،أشجار تعطي ثمارها بالرغم من كلِّ الصعوبات والقساوة , غابات سعد ياسين يوسف من الأشجار, كل مرة نراها بشكل آخر, كأنها بساتين ورد تفوح بعبيرها وعبقها , كلّ وردة تقابلها شجرة وقصيدة , والعكس صحيح , كأنها قُبلٌ تنثر على شفاه كلّ أنثى ! أشجاره و قصائده تتقاسم الفرح والحزن في زمن الحروب ! حينما تسقط ورقة من أشجاره أو ينكسر غصن ٌ تثمر مكانها براعم وأفانين لحياة جديدة .

(( وبلا ثيابٍ ، تنسلُّ من جسدي

الغصونُ وتسّاقطُ

غُصناً فوقَ غُصنٍ

 فوقَ غُصن ٍ

فوقَ غُصّة ٍ…

حتّى تقطّعتْ أزرارُ السَّماءِ

وتدلّى ثديُها

وتدافعتْ بحثاً عن نَفَسٍ من خُضرة ٍ

لما تبقّى من شجرة ِ الأنبياء ))

في هذا المنجز الشعري نقف أمام شاعر لا يعرف المكوث في زمن أو مكان معين , نراه يترجل من جواده ليحط أقدامه في غابات أشجاره متفقدا إياها واحدة تلو الأخرى , ثم يمتطي صهوة جواده ويرحل فينا إلى الماضي وحلمه قائمٌ في المستقبل , وهو كصوفي عاشق يعيش حاضره , في غربته وغربة أشجاره التي هي جزء من ألم روحه الذي يصدع قلبه الشفاف في الليل والنهار وفي كلِّ الفصول .

(( لاغصنَ  يشيرُ إليكَ .

كلُّ السهامِ إستنفرتِ اليباب َ،

غيرَ أنّكَ كلّما اندسَّ فيكَ سهمٌ

نزَّ من عُرْيِك َ وردٌ

 لتظلَّ هناك على شفا الأفولِ

كبوذيّ ٍ ينثرُ رمادَ أسلافهِ 

في احمرارِ الأُفقِ

لغةً للغيابِ …))

في كتاباتي النقدية أنطلق دائما من عمق القصيدة أو النصّ , حيث الغوص فيها للقاع هناك نتنقل بين اللؤلؤ الثمين,والمَشاهد اللامرئية تحت شمس النصّ  وبحسب اعتقادي لابدَّ من توضيح بيان ما جاء من خصائص في هذه المجموعة الشعرية التي كتبها الشاعر مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الصعبة جداً في وطنه والثمن الذي يدفعه الشاعر عند الكتابه الصادقة الحقة وهو يعبر عن آلام شعبه , أقول :  إنَّ الشعر مغامرة خطرة وصياغة وفن وجمال لتشكيل الصورة الشعرية لتحلّق في كلِّ الفضاءات , وفي كلِّ وجدان ,حاملة لحزمٍ من الانفعالات التي تستجيب لها كلّ الاشياء.

(( يقرأُ ما خطّتهُ تراتيلُ اللوعة ِ

عندَ رثاء ِالصّبحِ

إذ أوشكَ أنْ يهبط َ فوقَ منائرَ ،فقدتْ زرقتَها

ونوافذَ …

ما مسَّ زجاجَ أنوثتِها الضَّوءُ

لتشيخَ الصَّرخةُ  …..

 تتحجّرُ في حَنْجَرةِ الرِّيحِ

لكنَّ الدَّمعةَ أزميلُ اللهِ

إذ ينحتُ وجهَ الأسئلة ِ المتيبّسة ِ

فوقَ شفاهِ الفقراءِ …))

وتؤكد لنا شعرية الشاعر اعتمادها دلالة جمالية وفكرية – كما وضحت سلفا – حيث التأمل لما وراء النصّ لأن الأشجار في شعره ماهي إلا كينونة رمزية أجاد الشاعر أنسنتها عبر قصائد كتبت بأسلوب جميل وعميق معبرة ًعن معاناة الأشجار( الإنسان) والحياة برؤية شاعر مبدع , فكانت قصائده تتكامل مع ما يرسم ويخطط لكلِّ شجرة من صور جديدة لا تتشابه مع كل قصيدة وهذا هو الإبداع الحقيقي مستمداً أصالته من منهل ثقافته في أهمية الصورة في قصيدة النثر ومن مرجعياته الثقافية الفكرية والأكاديمية ليضع كلَّ خبرته في قصائده ولتعميق رؤيته الفنية الشعرية المتماهية مع وجدانه وذاته هكذا هو المتألق شاعرنا الدكتور سعد ياسين يوسف ..

 

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.