أخبار عاجلة
الرئيسية / قراءات / شفيق بوهو : جذوة الشعر بقلم محمد عنيبة الحمري

شفيق بوهو : جذوة الشعر بقلم محمد عنيبة الحمري

أتحدث عن شاعر عشت بعض مواقفه، وهو يلقي بجرأته، بعـض أشعاره علنا، وعلى جل أصحابه، ربمـا يقلق البعـض هذا الهجـوم الـذي قد يعـد اختراقا، لمن جلسـوا في هـدوء. بيـد أن الشفيق يواصـل مسترسـلا، غيرمكترث، يتغنـى بإلقائـه المتفرد منتشيا، يهـب الـنص فتنـته، جـرأة ولـدت معه كابتلاء :

لم يارب ابتليتني بفضيلة الجهر
وجحيم الصدق
وتركت شهقتي تعمر
أطول من عمري

كنت أحدس نار القريض وقد أوقدت جسـدا ناحلا ، يتصبب في عرق و يحاول أن يطفئ اللهب المشتعل . كان يعجبه أن أسايره في السماع، ويطلب رأيي، أقول له وبدون مجاملة: ليس من حق من كان أن يفرض الرأي، أو يرفض النص فالشـعر عذب (كما قلت) لكن صاحبه في العذاب. ربما الصدق كان سجية شاعرنا، غير أنه عانى الكثير، وظل سجين الحقائق كيف يصدق مالايصدق حين يقول :

لا تصدق المفاتيح المعلقة
على الجدران
أو المخبأة في تاريخ
عار من الجغرافيا
صدق الأبواب المغلقة
لاتصدق المدينة تموء
صدق الأزقة تنبح
لاتصدق الشاعر يغني
صدق صمتك إن استطعت

شخصيا، لم أجد شاعرا، شعره سيرة، تعكس الواقع المتجلي بدون رتوش، وبعمق جمالية في التعبير:

لأني سليل الشهوات
أسكن أبهى الرذائل
لاأريد من العمر
سوى الخروج من عمري
وليعمر بعيدا عني
……………………………..
كنت ظمئا
قربتنا تسيل
أنت تصر على النبيذ
علك تنسى
أو تهيج الذكر

كان للأم في شعره، حيزلايغيب، مثل حزن عميق، يشوبه صـدق شفيــف، تحفه كل المشاعر إذ يستعيد عواطف جياشة، حفلت بحنان الأمومة، تغـدق للإبن قمة أسرارها، يتذكرها ويحن إلى لحظات تسيح بها يتمنـى معـانقة ويراها تقاسمه من بعيد لواعجه، يتحين فرصته للرحيل:

قلت لك وأنا أحمل نعشك
إني مدمن على الالتفات
سمعتك تهمسين
سيظل الليل مستيقظا فيك
إلى أن نلتقي
هل ستلحقني ؟
تأخرت يا بني..

جذوة الشعر مست دواخله، فاستكان إلى الحزن، يرسم في الليل أشجانه، ليقول:

مازالت الآن تتناسل فيك
الصور التي تحب
والتي لاتحب
وتفكر في ما سلخت من أيامك
تصنع من عظامك
نايات للعابرين
كيلا يتجذر الألم
في قريتنا
لم تفهم أن الباقين خانهم الرحيل

في نصوص الديوان، تشدك بعض المقاطع لاتستطيع انسحابا تظل أسير المعاني، وعمق الصور:

حين وطئوا الأرض حفاة
سالوا على الطرقات
فكانوا أكثر واقعية
من حذاء
…………………..
تعاهدنا أن نلتقي في اليوم
الثامن من الاسبوع
جئنا، ولم يجئ يومنا
فبقينا مقاعد
فوق المقاعد ننتظر

وسررت بإلحاحه أن أشاركه فرحا، مر عام، فعـدت إلى النـص أفحـص إهداءه، ودخلت انسكابا، سعدت بلذة شعرفسيح، أبى أن تضـايقه صفحات خلت من بياض، بدا شكلها كبناء، جفته الحدائق ظل بدون فراغ، فغـاب مكان الرسو، وضاعت على سفر عتبات الوقوف. كان يمكـن أن نسـتريح قليلا، نرمم أنفاسنا، رغبة في استئناف المسير.
تعبت في القراءة أبصارنا، غيرأن سمو النصوص غزا كالمحبة وجـداننا، فنسينا عذاب السفر. فهنيئا لنا وله بضمائر رفع إلى الشعر، تعلو به، والتحية للقلق المتمرد في كل أطواره، وعلى رأسه، حين يستيقظ الحان قبل الأوان.

محمد عنيبة الحمري

ألقيت هذه القراءة في (لقاء الخلوة السادسة، من تنظيم منتدى العشرة) الذي تشرف عليه الشاعرة ليلى ناسيمي، بملحقة وزارة الثقافة بالدار البيضاء، بتاريخ 15 مايو 2011

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.