الرئيسية / نصوص / أحمد الباقري: المكتبة المتجوّلة _ علي البزاز

أحمد الباقري: المكتبة المتجوّلة _ علي البزاز

كان يُطلق عليه في مدينة الناصرية<< المكتبة المتجوّلة>>؛ فقد كان يتجوّل متأبّطاً محفظة من الجلد وفي داخلها أنواعٌ شتى من الكتب: مجلات، كتب بالإنكليزية، صحف وأقلام. ولم يرّ قطّ من دون الكتب، وكما يقول بعض الشهود، في أيام الحصار، كان يبيع السكائر في << بسطية>> على الرصيف، وتحيط به الكتب من كلّ جانب، وفي وقت الفراغ، يقرأ ويكتب، ويستقبل أصدقائه بحفاوة الكتب. وعندما كان يدير مكتبة<< الخضراء>> مقابل مدرسة قرطبة، كان يطوف حول الكتب، وهي تطوف حوله، وكنت ألاطفه مازحاً( أبا أماني، كلّ شيء موجود في حقيبتك، سوى قنينة غاز)، وكان يضحك مبتهجاً، ولكنّني أدرك راهناً، أن قنينة الغاز كانت موجودة فعلياً في تلك المحفظة ، وهي بمثابة الكتب؛ مادة تساعد على الاشتعال، وذاك ما أدركه، المخرج يوسف شاهين في فيلم <<المصير>>: إن للأفكار أجنحة وهي تطير. لا أدري كيف تمّ تشييع أحمد الباقري؟ وهل حشرت الكتب مَعه في التابوت:
هل رأيتَ مقابرَ، تطلُّ على أحداثٍ وعلى أصدقاءَ؟
يذكر الكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو، في<< ترحيل بن رشد>> : “جثة ابن رشد لم يكن منظوراً إليها بوصفها منبعاً للكرامات والنعم، فلم يحتفظ به في الأرض الإفريقية. جرى التخلّص على نحو ما من كتبه، فالجثة، في مسيرها نحو الشمال، جُعلت على أحد جانبي الدابة، وتعادل في الجانب الآخر مؤلفات الفيلسوف ذاتها>>، لكي يتمّ توازن الجثة، فيصبح سيرها صائباً ويسيراً إلى الأندلس.
التوازن بسبب الكتب، أخلاقاً وسيراً وعفّة، ذلك كان جلّ طموح أحمد الباقري( شاعر ومترجم ورسّام وخطاط). كتب ذات مرّة خالد الأمين ، يصف بول أيلوار: <<رجل ويشتغل بالشعر>>
( من ديوان << رصيف سوق الأزهار>>، ترجمة أحمد الباقري ، وكتب المقدمات خالد الأمين، وهو الشاعر، الذي كان موته بمثابة محرقة ؛ أعدم في قصر النهاية سيئ الصيت، كان هبة وحدثاً صامتاً، مثل أحداث الشموع والأزهار. أحمد الباقري، هو أوّل من عرفني على كتاباته ، واحتفظ بها ليس وحدها فحسب، بل بكتابات جلّ أدباء الناصرية، أمّا مستنسخة، وإمّا أصلية، وكنتُ أطلب منه دائماً كتاباتي الأولى، فيستنسخها بخطه الجميل، ويرفض، أن يعطيني الأصل. أكان بذلك يحاكي أمانة الكتب، وأمانة الأفكار؟ ويحاول أن يبقى الاسم المجهول للصداقة).
وهكذا، هو أحمد الباقري، رجل ويشتغل بالكتب: لا تزال الكتب عنده كالحقّ، كالمساعدة حادّةً، أبيةً، صابرة على التلاشي والاندثار.
يذكر ابن الجوزي في كتابه «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، في ترجمة الحافظ أبي العلاء الهمذاني ما يأتي: << وبلغني أنه رُئي في المنام في مدينة جميع جدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تحدُّ وهو منشغل بمطالعتها، فقيل له ما هذه الكتب؟ قال: سألتُ الله أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدنيا، فأعطاني>>.
يتصوّر بورخيس<< النعيم مكتبة>>، كما يتصوّر طفولته على أنّها مكتبة، يقول: ولدت في مكتبة( ولد الباقري مجازاً في مكتبةٍ، لكن المؤكد، أنّه عاش في مكتبة، ودفن في مكتبة). يقول بورخيس:
طفولتي مرَّت كلّها في المكتبة، مكتبة أبي الكبيرة، سمح لي بقراءة الكتب المحرَّمة على سنّي… قرأت «ألف ليلة وليلة» من أولها إلى آخرها، احتشدتُ بالسحر، كنت مأخوذاً به… ثم اكتشفتُ أني لم أخرج قط على هذه المكتبة».
لم يغادر بورخيس المكتبة: «لم أخرج قطّ على المكتبة»، وبسبب سلسلة الترابط، يفكر المرء بأنه دُفنَ فيها مجازياً. هو مخلوق مكتبة؛ ولد وترعرع واشتغل وكتب في المكتبة التي تعني له نظام قراءة أولاً، ثم كتابة ثانياً. يقول: «ليفتخر الكتَّاب بما كتبوا، ولأفتخر أنا بما قرأت»، لشيء مهم أن نكتبَ، ولكن ليس مهماً ما نكتب، فالكلّ يكتبُ؛ موظفو الكتابة الرسمية، القضاة، سائقو شاحنات الكلام، كتّاب البعد الواحد والسلطان الواحد. الكتابة إنتاج قراءة، وهي تحدّد وضعك الاجتماعي: معزولاً وحيداً، ثرياً فقيراً. مزارُ شهرة أم كفيف دعاية؟ فالمكتبة المحرّمة منفى. آدم وحواء أكلا من شجرة المعرفة، أي قرأا الكتب، فحلَّ عليهما النفيّ.
ما المثير في علاقة أحمد الباقري بالكتب؟
قد يكون في الكتب، ما يشبه المصير الحزين، وخصوصاً في بلد كالعراق، وفي مدينة كالناصرية، ولكاتب نزيه مثله، وقد يكون هو قد تجاهل ذلك كلّه، بسبب تعلّقه بحلول خفيّة، تقاوم الاندحار، أكان يمارس العلاقة بالمكتبة وكأن الكتاب هو في جماعة من أصدقاء وتضامنٍ وتقرّبٍ إلى المستقبل؟ وهكذا، فلم ير اختلافاً ما بين الكتب والناس والوجود، وهو الحميم والأمين، أمانة حارس وأمانة ساعي البريد مع الرسائل، وأمانة مدينة الناصرية، لم يقاطعها الحزن والإصرار على الإلغاء. كانت الناصرية من جانبها، مدينة الكتب حقّاً:
الكتب السومرية، والكتب الحزبية في أشخاص أبنائها( جاء فهد إلى الناصرية، ليشتغل عاملاً، فأسّس فيها الحزب الشيوعي)، كان شعراء المدينة وشخصياتها السياسية، بمثابة مكتبة، من هناك، من وداع السجن نهائياً، ومن وداع التهميش، كانت علاقة الباقري بالكتب.
1
لستَ ترضيةً للدولةِ ولا من شؤونها.
2.
أصدقاء بمعنى الكتب.
3
ما نفعُ
كتبٍ ناجيّة من الحوادثِ؟

 

—————————

علي البزاز

أديب وتشكيلي وناقد من العراق

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.