أخبار عاجلة
الرئيسية / وجوه ثقافية / فاطمة بصور شهرزاد التي نزعت من شهريار سلطة الإصغاء..!! بقلم حسن بيريش

فاطمة بصور شهرزاد التي نزعت من شهريار سلطة الإصغاء..!! بقلم حسن بيريش

(1)

“أَنَا اٌللِّي اٌقْتَلْت تَارِيخْ اٌلزّْيَادَة،

وَاٌتْمَنِّيتْ،

كُونْ اٌمِّي تَقْدَرْ،

تْعَاوَدْنِي فْ لَوْلاَدَة”..!!

ماذا تفعل أنت إذا كنت أمام زجالة خطيرة، كلما اقتربت من مفترق نصوصها أضاء الضوء الأخضر، مشيرا إليك بالتوقف عن الإقلاع، حتى تمر مواكب كلماتها..؟! لا تجبني، فقط ساعدني على إشعال الضوء الأحمر، كي نرى، أنت وأنا معا، أشعارها الصارخة، في تحذيرها، مثل سيارات الإسعاف، بعد أن تترجل من سرعتها مثلنا..!! لذا، لا لوم على يدي إذا واجهت مخاطر فاطمة بصور، وهي محشوة في قفاز من الإعجاب، مغموسة في شهد مداد، عن شهوات قوافيها لا يكف، ومن رواء بديعها لا يرتوي..!!

أليست هي

مجنونة حرف،

به تصعد بنا إلى حالق،

وسليلة ركح،

عبره تنزل بنا إلى غور..؟!

ألا إنه لمن الفتون جنون، ولمن الركح فنون، وبينهما ها هي فاطمة وقد فطمت عن السهل، وشبت عن المعتاد، وشابت، دون شيب، وهي تطرز الماء على حواف النار..!!

“شْكُونْ،

اٌتّْهَزّْ مْعَايَا اٌلْحَاضِرْ،

نْقَلْبُوهْ،

بَاشْ يَوْقَفْ عْلَى رَجْلِيهْ ؟!”.

(2)

قرأتها في الخاص، وقرأتها في العام، كانت هي نفسها، لكن في كل مقام لها تميز خاص، لها حضور يجب ما سبقه، ثم ليس من رأى، كمن قرأ، كمن سمع.تنفرد بنص لها، فترى فيه ما تمنحك إياه القراءة. ثم تسمع نفس النص بصوتها، وهي تبرق وترعد فوق الركح، فيؤول ذهولك بك إلى اليقين التام بأنها أعادت كتابته، أو نقحت بعض دواله، أو فلذة من معجمه.وهي ما أعادت، ولا نقحت، فقط صوتها، هذا الذي يسكن تموجات ريح المعاني، ويحضن صخب الاستعارات، ويبث على أوسع الموجات، أعاد صياغة أفق النص، ثم حوله من سوائل مداد، إلى أثير ذبذبات..!!

“وٓنٓا فْ رٓاسْ اُلتّٓخْمامْ كٓنْدورْ،

غٓوّٓتْ فٓ ظْلامْ عٓقْلي اُللاَّشُعورْ،

غٓوْتٓة شٓقَّتْ صْدٓرْ لٓحْلآمْ،

وْعٓرَّاتْ شٓجْرٓةْ اٌلتّٓفْكِيرْ،

مٓنْ وْرٓاقْ لٓوْهٓامْ،

اُنْطٓقْ لْسٓانْ اٌلْحَالْ،

خُرْجِي مٓنْ دُخَّـانْ اٌلْهٓضْرٓة،

سٓرْحِي فٓ بْيٓاضْ اٌلنّْهارْ،

اٌلشّٓمْسْ مٓا تْسٓايٓنْ هٓضَّارْ،

يْلآ اٌغْمَزْهَا لَبْحَر،

مٓ تٓعْقٓلْشْ عْلِيكْ،

مٓنْ ضٓيّْهٓا اٌتْعٓرِّيكْ…”.

(3)

“أريدك رَجُلاً…

كي تبقى اٌلْأُنُوثَة

في زماننا ممكنة”..!!

التوافق، لا الشنٱن، هو سمة هذه الأنثى مع المذكر. التفشي في فلذاته نشدانا لكليته، والانصهار في جليده كسبا لفورته، والارتماء في عكسه ضمانا لذاتيته. بلى. لا عقد هنا، ولا ترسب هناك. لا شهرزاد تحكي كي تنجو برأسها، ولا شهريار ينصت كي يتخلص من رتابته. القصيدة وحدها تملك قرارها في أن تسهر حتى مطلع الليل، أو حتى أوائل الفجر، وتصيح: حي على المعنى..!!

“تَشْرَقْ،

مْعَايَا شَمْسْ،

فَ عْقَلْ شَهْرَزَادْ،

وْبَ حْكَايَاتْ هَدْ اٌلْوَقْتْ نْضَوِّيوْهْ؟!

نْكُونُه،

أَنَا وْهِيَ مْرَايَة،

مَنّْها يْطُلّْ شَهْرَيَارْ زْمَانِي،

وْفِيهَا يْلقَانِي،

بَ لْسَانْ حَالْ اٌلْحَاضِرْ،

عْلَى حَالْنَا فَ زْمَانْ كُورُونَا،

شَلَّا حْكَايَاتْ…

نْعَاوَدْ لِيهْ؟!…”!!

هذا المكر الشعري، والأنثوي أيضا، هو من خول للزجالة أن تنزع من شهريار، المستبد، سلطة الإصغاء / إصغاء السلطة، وتحوله، بجرة معنى، إلى مجرد سارد. وتهب لشهرزاد، الخاضعة، سلطة الأمر ببدء الحكي / انتهاء استرسال السرد، وتحولها إلى سيدة الإصغاء، كل هذا بجرة مكيدة فنية..!! من خلال قصيدتين، واحدة عرت التسلط من ثياب تحكمه، وأخرى اختصرت تأويل تفاحة العلاقة بين الجنسين، حواء وٱدم، في حفنة من ذكاء الدوال.

“ؤُبَدْمُوعِي لْحَافْرَة خَدّْ لْوَقْتْْ

نْعَاوَدْ نَكْتَبْ،

قَصَّةْ اٌلشَّجْرَة وَاٌلتَّفَّاحَة مَنْ جْدِيدْ،

يَمْكَنْ مَنْ اٌلتّْعَاوِيدْ نَنْقَصْ،

وْيَمْكَنْ فِيهْ نْزِيدْ

وْيَمْكَنْ نْعَرِّي اٌلْحَقِيقِة مَنْ لْبَاسْهَا،

وَاٌنْهَزّْهَا…

عْلَى رَقْبَةْ زْمَانْ اٌلضَّوّْ تَقْلِيدْ،

وْيَمْكَنْ نَوْحَلْ كُرَة فْ حَلْقْ اٌلتَّارِيخْ،

تْعَاوَدْ دَوْرَةْ اٌلْكَونْ،

وَنْسَبْحُه أَنَا وِيَّاكْ،

أَعْشِيرْ اٌلْغَلْطَة،

فْ مَلَكُوتْ جْدِيدْ”..!!

(4)

تستنشق كتابة فاطمة هواء الجرأة، كي تكتسب مناعة ضد التخاذل أمام فداحة الواقع، إزاء فضيحة المخيال، ثم في مهب اللغة التي تستر عريها بملاءة الكشف. لا حد لجموح مخيال هذه الزجالة، التي نسيت عقلها هناك على دواة الحبر، واقتفت أثر الجنون، وصدقت ما عاهدت عليه الكلمة، يوم أبرمت ميثاقها مع المجاز.لذا، تعمد إلى تفكيك بنية العلاقة الجسدية، من أجل إبراز سراب النزوات، وإدانة فعل الجنس لما يغدو عينا مصوبة باتجاه الجسد الأنثوي، مختصرة إياه في ليال تضيء عبر أنس خليلة متاحة على ممد يد شهوة..!!

“زٓهْوٓانِي،

وٓنٓا عٓارْفٓاهْ،

شْحٓالْ مٓنْ مٓرّٓة،

خَسَّرْ فِيَّ نْعٓاسِي،

وْقٓلّٓلْ عْلِيّٓ حْيٓاهْ،

مَللِّي يْجٓرّْنِي بْلٓى هْوٓايٓا،

نٓسْهٓرْ سْوِيّْعٓاتْ مْعٓاهْ،

شْحَالْ فِيّٓقْنِي بٓ سْكٓاتُه،

وْطِيَّحْنِي بْ شُوفَاتُه،

وِيلآ تْشٓهّٓانِي بْ غَمْزَاتُه،

لٓ ْسرِيرْ اٌلرّٓغْبٓةْ،

يٓلْگٓانِي سٓابْقٓاهْ،

وِيخٓلِّينِي بْلٓى هْوٓايٓا،

اٌنْدوٓزْ گٓاعْ اٌللِّيلٓة مْعٓاهْ،

لِيلٓة تْعٓانٓقْ فِيهٓا اٌلرُّوحْ اٌلرُّوحْ،

وٓبْ لٓمْخٓبِّي فْ لٓحْسٓاسْ تْبوحْ،

مٓلّلِي مٓنْ جُوفْ اٌلْمٓعْنٓى،

يْحٓرَّكْ فٓ دْوٓاخْلِي اٌلرّٓغْبٓة،

وِيطٓلًّٓعْ مٓنْ بِيرْ جُوفِي،

جٓنّْ حْرُوفْ هَدْ اٌلْكٓتْبٓة،

وَاٌيِّييهْ أَلْخْلِيلْ،

زَهْوَانِي اٌللِّيلْ”..!!

(5)

الكتابة داخل لغة مشحونة بالتواصل المباشر، مصممة على تأدية المعنى بضوء دون ظلال، أمر عسير يستلزم وعيا فذا بتموجات الدارجة، واكتناز بأفق خطابها الجمعي، والاندغام في سويداء تراثها الموغل في الزمن والمكان.

فاطمة بصور تديم التأمل في اللهجة المغربية، وتدمن أوار معانيها، تركيبا وصوتا، قبل أن تدخلها إلى محترف الكتابة، إلى فضاء القول الزجلي.تصبح اللهجة / العامية بنكهة أخرى، بطعم مختلف، وإيقاع خاص، حين تندرج في متون زجلياتها. لذا، قد يعترينا بعض اهتزاز، بعض دوار، ونحن نقرأ لها.ذلك لأن هذه المبدعة، المترامية المعاني، المسكونة بالمجاز الٱهل بصبوات القلب، تكسر الحد الفاصل، المخاتل، بين كل من الفصحى العالمة، واللهجة العارمة.

“يْلاَ بَصَّحّْ كَتْبْغِينِي،

هَانَا لِيكْ،

لَابْسَانِي،

ؤُكَنْتْحَدَّاكْ تْعَرِّينِي،

يَالاَّهْ اٌتْحَدَّى زْعَامْتَكْ،

يَا عْشِيرِي ؤُوَرِّينِي،

هَانَا لِيكْ اٌتْحَدَّانِي وْعَرِّينِي،

عَرِّينِي مَنْ دِيكْ اٌلْعُقْدَة،

بَاشْ اٌتْهَنِّيكْ وَاٌتْهَنِّينِي،

عَرِّينِي مَنْ گَمَّاطْ هَضْرَا،

اٌرْضَعْتِيهَا مَنْ لَخْلُوقْ لْبَى،

“اٌسْتَرْهَا رَاهَا غِيرْ اٌمْرَا”،

يَاٌلّلَهْ عَرِّينِي يَا وَلْدْ لَمْرَا،

كِيفْمَا كَتْعَرِّينِي كُلّْ مَرَّة،

مَللِّي كَتَلْبَسْ اٌلِلّيلْ سَلْهَامْ،

ؤُتَقْطَعْ فَ سْكَاتِي لَكْلاَمْ،

وَتْوَلِّي عَبْدْ لْ دِيكْ اٌلنَّزْوَة”..!!

(6)

يحضر الجسد بدلالات غميسة في نتاج فاطمة، ويتبدى في أشكال شتى، عبرها تتم محاكمة النظر إليه بوصفه طريدة، مقابل تبدي الٱخر، الرجل، باعتبارها صيادا.وتلك ثنائية لا محيد عن إدراكها، إذا ابتغينا الوصول الٱمن إلى الينابيع الثرة التي تسترفد منها الشاعرة موقفها كأنثى من جسدها، وتجليات كتابتها داخل عرام هذا الجسد، وفي مخبوء ثوابته وتحولاته، اتباعه وابتداعه.إنها تتقن، بمهارة، رمزية التعري الجسدي، حيث يتم الربط بينه وبين تفاحة الغواية، لتخلص الشاعرة / الأنثى إلى ما يجعل المذكر، لا المؤنث، دافعا لعري الجسد.

“مَللِّي يَتْفَگّْدَكْ خْيَـالِي،

وِيلَبْسَكْ شِيطَانِي اٌلزَّهْوَانِي،

وِيغُرَّكْ تَتْسَارَى فْ فَدَّانِي،

مَنْ لَگْدَامْ حَتَّى للَرَّاسْ،

مَ كَايْنْ بَاسْ…مَ كَايْنْ بَاسْ،

لاَ فُوتْ فِيَّا وْفِيكْ آوَلْدْ اٌلنَّاسْ،

وَلَّى وَاقِيلَا فْ دِيكْ اٌلتَّفَّاحَة،

اٌلِّلي غَرَّاتْنَا بْجُوجْ فْ خَطْرَة،

سِيحْةْ اٌلعَصْيَانْ،

ؤُلْخُوفْ اٌلزَّرْبَانْ،

عَرَّاتْنَا بْجُوجْ يَا حَسْرَة،

وْخَلَّا تْنَا نْسَتْرُو اٌلْعَوْرَة،

بْلَا هْوَانَا فْ دِيكْ اٌلْحَصْلَة،

يَا عْشِيرْ اٌلْغَلْطَة،

بَ وْرَاقْ شَجْرَة”..!!

(7)

أن تلج قلب فاطمة، وتفتش فيه عن الولع، عن الشغف، عن الهيام، والوجد، ذاك من أبهى اللحظات التي تفوز فيها بما يجعلك على قيد الحب.هذه شاعرة تضع الحب في أعلى عليين، وتضع عليه خاتم ميسمها الباذخ، وبه، عبره، تفتح القلوب التي عليها أقفالها، وتهرب بك إلى جنائن لم يطأها حب من قبل..!!

“دِيكْ اٌلرُّوحْ،

قْبَلْ مَ تْعَرَّجْ،

لَ سْمَاهَا وَتْرُوحْ،

قَطّْرَتْ لِيكْ عْسَلْ اٌلرُّوحْ،

اٌلْحَايَلْ فَ جْبَحْ هَدْ اٌلرُّوحْ،

ؤُ بْ شَاهَدْ اٌلْيَدّْ،

اٌللِّي عْطَاتْ اٌلْعَاهَدْ،

كَتْبَتْ عْلَى ذاكْ اٌلشَّاهَدْ،

هَدَا قْبَرْ،

ذاكْ،

اٌللِّي،

فْ مَحْرَابْ اٌلْعَشْقْ،

اٌرْكَعْ،

وْمَاتْ سَاجَدْ”..!!

من “عطش الكلمة”، إلى “خْيُوطْ… مْخَبْلَة فْرَاسِي”، وحتى

“كَايْنْ عْلاَشْ”، دواوين تنهل من ينابيع الحب، بشتى أبعاده ومختلف تمظهراته، حب لا ينحصر، فحسب، في علاقة بين طرفين رجل / امرأة، بل له كل الشسوع في رؤاه.

(8)

خطيرة هي هذه الزجالة، لا تني تثير فيك ما يجعلك تنظر إليها وكأنها إنذار بطوفان جنون على وشك أن يغرقك في شهد قصيد، وأنت بدون أي قارب نجاة..!!لكن، مهلا، إن فاطمة بصور حالمة، رقيقة، وهشة الأعماق، حتى شعرها نفسه يحتاج إلى كتف ينام فوقه توقه الذي يجتاح خبء دواخلنا، كي ننغمر في إجهاشه.

“شْكُونْ يْسَلَّفْنِي كْتَافُه،

حَتَّى لَ اٌلصّْبَاحْ،

نَخْوِي عْلِيهْ بْكَايَ،

حَتَّى يقُجّْ فِيَّا صُوتْ اٌلتَّنْوَاحْ،

شْكُونْ لْ صَدْرُه يَحْضَنِّي،

يَمْسَحْ دَمْعِي بْلَا مَ يْحَزَّرْنِي،

شْكُونْ يْخُشّْنِي فْ شُونُه،

وِيلَا عَنْتَتْ صَبْرِي يْزَيَّرْنِي،

حَتَّى حْيَايَا يَتْبَدَّلْ لُونُه،

وَشْكَايَا يَتْرَجَّلْ وْقَلْبُه يَقْسَاحْ؟”..!!بيرش قراءة لتجربتي في الكتابة.

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.