أخبار عاجلة
الرئيسية / سرديات / فراغ الليل – خديجة الخليفي

فراغ الليل – خديجة الخليفي

أخيرا وصلت، طرقت الباب، أردت مفاجأة أهل بيتي. كان متوقعا أن أرجع من رحلة عملي غدا، لكني لم أستطع الانتظار، فقلبي يحمل دائما نفس الشوق إلى نور.

كالعادة، لا أحد بالبيت! حتى وإن أخبرتهم، فلن أجد من ينتظرني. كالعادة! يهجرني لقب المتزوج وكالعادة يقذف بي في رحاب العازبين.

دخلت بيتي، وكلي حنين واشتياق إلى نور، إلى بسمة، إلى زينب، إلى إلياس. ليسوا بالبيت، ذهبت نور بالأولاد إلى بيت أهلها ريثما أرجع من السفر.

هاتفتها:

  • مساء الخير نور، مؤكد أنك والأطفال عند والدتك. كيف حالكم؟ أنا بالبيت، دخلت للتو.
  • حسنا، سنرجع غدا.

مهما طالت غيبتي، نفس الجواب.

تعرفت على نور بعد تخرجي من الجامعة. رجعت من باريس حاملا شهادة دكتوراه في العلاقات الدولية، لم أشأ الاشتغال ببلاد الغربة. كان والداي ينتظران بفارغ الصبر رجوعي، فقد كنت ابنهم الوحيد. مازلت أذكر ذاك اللقاء الجميل الذي جمعني بنور:

رن هاتفي: أنا السيدة نور من مصلحة التوظيف بوزارة الخارجية، المرجو الحضور لاستكمال بعض المعلومات.

بدا صوتها جميلا، رسمت لها صورة في مخيلتي وقتها. عندما ذهبت إلى لقاء نور، أقصد إلى مصلحة التوظيف لاستكمال بعض البيانات الخاصة لولوج الوزارة. اكتشفت أن مخيلتي قد فشلت في رسم نور لأنها كانت أجمل مما تصورته وكانت “نور على نور”. سبحان الخالق المصور! دق قلبي ولم يهدأ من دقاته إلى الآن!

كانت ذكرى جميلة، كنت كلما تذكرتها كلما تولد لدي إحساس يجمع بين النشوة والغربة: نشوة الماضي عندما وافقت نور على الارتباط بي، وغربة الحاضر كأني عابر سبيل في بيتي.

بعدما أنجبت نور طفلتنا الأولى “بسمة”، قدمت استقالتها من العمل، لم أتدخل في قرارها. لكن ذلك أسعدني حقا. لاحظتُ تغييرا على نور، كأن قدوم بسمة فاجأنور. سألتها كثيرا، ما بك نور؟ هل أنت مريضة؟ صمت رهيب ولا جواب. كيف لها أن تبوح لي بما يؤرقها وهي لا تشتكي أبدا.

ذات مساء، قلت لها: حبيبتي نور، أنت تعرفين طبيعة عملي، إن كنت تتدمرين من سفري الطويل والمتكرر، فاعلمي أنه لا يوجد امرأة في حياتي سواك، كوني مطمئنة، أعشقك أنت والأولاد، أنتم عائلتي.

كانت نور تخاف مسؤولية الأمومة، فتوجه تركيزها كله إلى الأطفال ونستني. كان ابتعادها يتزايد كل يوم. أتحايل عليها ومع ذلك تعيش في خوف دائم على الأولاد. لكن أيني أنا وسط هذا الخوف؟ ألا تخاف على مشاعري كزوج؟ لا أغير من أبنائي، كما أني لست أنانيا، فأنا أيضا أحب عائلتي. إني أجول بقاع الدنيا من أجلها ومن أجلهم، أسافر شهورا من أجل ضمان عيش رغيد لهم. أيني أنا في خريطتها التي رسمتها نور لها وللأولاد؟ أيني أنا يا نور؟ وأينك يا نور؟

دخلت البيت، وأمام صمت المكان، ذهبت قاصدا ألبوم الصور، أحسست دموعا تتساقط من عيني. لم يكن مجرد إحساس، بل تساقطت فعلا كجمر لهيب يتهيأ لحرق وجنتيَّ. أرجعت الألبوم إلى درجه. أشعلت سيجارة، ثم سيجارتين، أفرغت العلبة. بدا لي البيت كقاعة انتظار. طال انتظاري، فحملت سيارتي وقدتها كمجنون تائه، حتى وصلت شارعا طويلا أصبحت بيني وبينه ألفة ومودة غريبتين.

ركنت سيارتي جانبا، تأملت هذا الشارع، حاله كحالي، لم يكن به أحد، لا زرع ولا نخل سوى نخلة واحدة، وقفت عندها، رفعت رأسي إليها حتى دخت. جلست عندها، شكوت لها حالي:

–  سيدتي النخلة، تزوجت امرأة أعشقها، اعتقدت أن بيتي الخالي أيام العزوبية لن يعود قاحلا عند زواجي. لست أدري إن كنت متزوجا أم عازبا؟ أين زوجتي؟ أين المرأة التي سحرتني بصوتها؟ أرجوك سيدتي، رُدي، قولي شيئا، أم إنك مثل نور، لا تجيبي. لقد حاولت تفهم نور وتحدثت إليها، اعتقدت أن الأمور تحسنت واعتقدت أن حبيبتي قد فهمت أني كالأطفال محتاج إلى حنانها، إلى مداعبتها، محتاج إلى سماع كلمة حب.

آه أيتها النخلة! أريد أن أصرخ فما عاد السكوت يرضيني، أريد أن أبكي، فما عدت أطيق حالي. أيتها النخلة، أنت وحيدة مثلي في هذا الشارع الطويل.

فضفضت ليلتها، ونمت هناك عند جدع النخلة. عندما استيقظت، استغربت وجودي هناك بالشارع الطويل، أيني أنا؟! ثم تذكرت كيف وصلت إلى هذا المكان. عاهدت الشارع والنخلة بزيارة يومية، فهما الشاهدان على آلامي وحسرتي. كانت دموعي مازالت تبلل خدي، بكيت كثيرا وصرخت كطفل رضيع مشتاق إلى حليب أمه، إلا أني لست طفلا رضيعا بل طفلا كبيرا مشتاقا إلى حضن زوجته ودفء أسرته، وسمعتني أغني بصوت حزين أغنية للفنان الراحل عبد الحليم حافظ:

“ضي القناديل والشارع الطويل

فكرني يا حبيبي بالموعد الجميل

بليالي سهرناها وسهروا القناديل سهروا يا حبيبي

يا شارع الضباب مشيتك أنا مرة بالعذاب

ومرة بالهنا”

أخذت سيارتي، وأنا لا أعرف وجهتي الموالية. لست أعارض خروج نور، لكني أعارض صمتها القاتل، أعارض هجرها لي، وأعارض بعدها وبعد أطفالي عني. إن نور التي أحببتها ومازلت أحبها تقتلني بسلاح الصمت.هكذا أنا اليوم مختنق بصمت يوحي ليبالكثير ويقذف بي في مغارة الهجر والنسيان. هكذا أصبحت تائها حائرا ظمآنا لكلمة حب، هكذا أنا أصبحت اليوم غريبا في بيتي، وهكذا أصبحت أقود سيارتي التي لا أشعر إلا وأنا أركنها أمام ملاهي ليلية.

 

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.