أخبار عاجلة
الرئيسية / نصوص / علي البزّاز- في زمنِ العناق الوباء

علي البزّاز- في زمنِ العناق الوباء

ما فائدةُ الماءِ لمن يعيشُ وحيداً،

ولمن يضحكُ بكمامةٍ؟

النوافذُ في أوطأ مستوىً لها، كما تشرقُ الشمسُ بانخفاضٍ في مستواها.

الكمامةُ، نوعٌ من الحجرِ، يظنُ البعضُ بأنّه حجرٌ جزئيّ، وليس شاملاً كالزنزانةِ. لكن هذا الجزئيّ قائدٌ إلى الكليّ سواء جسدياً ، نفسيّاً، أم حسيّاً. نعم، السجنُ هو تقييدُ للحركةِ، ولكن يمكن التغلّبُ عليه نوعاً ما، بالتفكير في الخارجِ وفي الحرية، ومهما يكن السجن مروّعاً، فهو لا يأخذُ صفةَ الحبسِ التّام. ولانّه قسريّ، فثّمة احتيال على جبروتِه، بل والوصول إلى وسائل لتخفيف وجودِه ذاتياً ومعنوياً. وهنا عظمة المسجونين.

بينما الكمامةُ، تأخذُ الحبسين معاً الداخلُ والخارجُ، الشكل والمعنى. وهي الحرية مقيّدةٌ وأتعسُ من السجنِ، لأنّها تجمعُ الحبسَ والحجرَ طواعيةً، علاوة، يظهرُ المرءُ علناً محبوساً شكلياً، في ابتسامتِه، في لسانِه، وفي قبلاتِه، وهي مانعة للشمّ ، وداعيةٌ الى النفورِ مباشرةً.

الكمامةُ كشكلٍ:

للمرّةِ الأولى، يشاهدُ المرءُ وجهَه متستّراً، أو من خلفِ حجابٍ، منقوصاً منه أو مضافاً إليه، بحسب إحساس الشخص ذاته. وشكلُ الوجهِ في الكمامةِ، لفريد ظاهرياً وجاذبٌ بقدر ما هو صادمٌ ، (شكل الجسد الإنساني متعارف عليه ). والوجه بكمامةٍ، لا يعتبر نشازاً في حالة الدمى ، فكثير من الدمى والألعاب تقدّم هكذا، ولكن الوضعُ يختلفُ مع الإنسان، فهو بالكمامة، يستعير شكل الدمى مُلحقاً إياه بشكل جديد له( وصراحة هذا الشكل الجديد لجاذبٍ للفن التشكيلي ولنافعٍ للأدب أيضاً، ولكن هذا أمر آخر سنتاوله لاحقاً)

الكمامةٌ كظاهرة طاغيةٍ على الحياةِ العامة، تشي بأدوات القهر. وتشي بأنّ نظاماً كاملاً يقف خلفها، يوعزُ بارتدائها، والتكميمُ= المنعُ، وهو من الكمامة، ويقال نعتاً للقهرِ”تكميم الأفواه”، ولم يقال “تكميمُ اللسانِ” مثلاً، وذلك لقيام الكمامة باخفاء شكل الوجه، وتحويله من صفةٍ إنسانيةٍ معروفةٍ، إلى صفة أخرى( ربّما يجدها الفنّ جميلةً، ويشتغل عليها، لكن هنا بصدد الوجه الإنساني فحسب، وليس الفنيّ أو الأدبي، فهما مختلفان رغم التشابه ظاهرياً). البشر في الكماماتِ، هم أقسى من مجموعةِ مساجين، هؤلاء خلفَ القضبان الثابت، وأولئك في حجرٍ عام متنقّل وصارخُ.

السجن متستّرٌ وغيرُ ظاهرٍ، يختفي خلف أسوارٍ أو في منطقةٍ معزولةٍ، وممنوعٌ كشف ما بداخله، بينما ظهورُ الكمامةِ معلنٌ، هنا حجرٌ موافقٌ عليه، مُلطّفٌ، طوعيّ إراديّ وهناك في السجن قسرٌ رهيبٌ ولكنّه مرفوضٌ.

الكمامةُ تُشبه نفسها:

الكمامةٌ مثل بابِ السجنِ أوّلاً، ثم تأتي سلسلةُ الممنوعات، والتي للأسف لا يمكن التخليّ عنها طواعيةً أو ذاتياً، بل ستصبح من الشروط الحياتية والاقتصادية والترفيهية، ولا يمكن قبول البشر من دونها.

مثلاً، تأجيلُ العناقِ إلى أن يؤمرَ به، ونحن بشر “المتر والنصف” الضحكات على قياس ” المتر والنصف” واللمسُ من مسافة” المتر والنصف”. سيعُاقب بالغرامة على العناقِ والمصافحةِ، كما هي الغرامة من دون كمامةٍ.

فليست الكمامةُ إلّا كمامة أشياء وحيوات ومتع وسفر وأدب. ولا بد للمرء من كمامة لكي يقُبل اجتماعياً ورسمياً؛ يقومُ الإنسانُ راهناً بتعقيمِ ذاته خوفاً من ذاته، أو يعقّمُ المحاليل نفسها بأخرى، ويديه وفمه وأنفه عالةٌ عليه. كما يشعرُ بالآخر كطائلةٍ ، أكان صديقاً أم عائلةً، والمياه والأشجار من أعدائه خوفاً من الإصابة.

كان الإنسان سابقاً يعني تفوّقاً على تفوّقٍ، وتحوّلاً على تحوّل باعتباره أعظمَ إنجازٍ على الأرضِ، وخلال مراحل التحوّل والتفوّق ذاك، أحتاج الكائن في مسيرته إلى الأديان والأحزاب والأدب والحب( انجازات عظمية مهما اختلفنا عليها) ولكن للأسف هذا الإنجاز، يتعرّض الآن إلى الاختبار المُهدِّد ولا أقولُ إلى الانهيار درءاً للتشاؤم.

الكمامةُ أولاً، ثم تبدأ الكماماتُ.

علي البزّاز- في زمنِ العناق الوباء.

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.