الرئيسية / اشراقات / رسائل من زمان كرونا الرسالة 17 من محمد كروم إلى منير المنيري

رسائل من زمان كرونا الرسالة 17 من محمد كروم إلى منير المنيري

إلى الأستاذ منير: ضحية الكهرباء في زمن الوباء.
بلغ إلى علمنا في الليلة العاشرة من الليالي الرمضانية، تعرض حيكم إلى صعقة كهربائية، كان لها كبير الأثر على الزاوية. فبينا كنتم في هم واهتمام، استعدادا للقاء المساء، حيث يلتقي المريدون والرؤساء، على أثير مديرية الثقافة، لمناقشة الرسائل، وما لها من فعائل، احترقت الأسلاك، واضطربت الأفلاك، حتى انقطع الويفي، و طار لحاسوبكم الفرخ، فصار أشبه بعلبة، وأحوج لطبة.
اعلم ـ وقاكم الله ـ أن الشيخ مصاب، وأن المصائب امتحان يكشف معادن الرجال، ويجلو من ألف السفر تحت لهيب الشموس أو الاسترخاء في نعيم الظلال. وما هي إلا سحابة صيف ثم تنجلي، وتعود الزاوية للانبساط على طول الأيام والليالي. عوضكم الله أحسن منه منظرا، وأدق مخفرا.
حدثتنا ـ غير كاذب ـ في كتابك الأخير عن جديد الكوفيد، وعن الذين يسرعون إلى ضرب الحديد، ويصارعون الزمن لإنشاء قانون المقاطعة والتعبير، للحد من التشهير، واستوقفك من “لا يتوانون عن تمرير القوانين والقرارات لتكبيل الشعوب، وإخضاعها للفقر والخطوب “. وإنا نراك أحسنت الوقوف والاستيقاف، وأجدت الهزء والاستخفاف، وقد قرأت في كناش قديم، ما يؤيد رأيك ويغذيه، ويفيد معناه ويؤديه. فقد روى صاحب ” تنبيه أهل المنة إلى فوات كليلة ودمنة”:
(زعموا أنه في سالف العهد والأوان ، كانت جماعة من الطير والحيوان، تسكن غابة تعاقب عليها القحط والوباء، فرفعت أخفافها وأجنحتها بالدعاء، عل الله يرفع عنها البلاء. وكانت تدبر أمرها بالتناوب، فتلقى الترحاب والتجاوب. ووافق مصابها زمن الحمار، فحرك ما تيسر له من الأفكار، ثم جمع سكان الغابة، وأمرهم بإزالة الكمامة، ووضع المخلاة، لما لها من فوائد جمة، في مواجهة الغمة.
فهي تحمي الرأس، وتجنب العطس. تقلل الوشوشة، وتقوي الدروشة. تشبه اللجام، وتستر الطعام. لا تعرف أحدا طعام الآخر، فيطمع في جيده أو يسخر من سيئه. تحد من فوضى الرفض والاحتجاج، على المأكل الردييء والمشرب الأجاج. وبها يقضى على المحل، بلا سجن ولا قتل.
ولحمايتكم من الحفاء، ونشر الرخاء، وثقافة شئتُ لا شئتم، ستنتعلون صفائح الحديد، لأنها تزري بكل قديم أو جديد. ولإعفائكم من فوضى الاختيار، والحاجة الدائمة للمطرقة والنار، جعلنا مقاسها موحدا، بين 20 و 22 . فلا تكونوا ملحاحين، وعيشوا حياتكم مرتاحين، في الغابة سارحين.)
أما حديثكم عن أحمد الولتيتي صاحب “بؤس أقل” فأنعم به حديثا! وسيرا حثيثا لكشف الحقيقة، ونشر الأخبار الدقيقة، عن شاعر كان ـ رحمه الله ـ غني النفس، قوي الحدس، معلم تكنولوجيا، اشتغل في مدن قريبة ونائية، ونظم الأبيات المؤتلفة، والقصائد المؤتلقة. حتى استقر به المقام في ثانوية ابن سليمان الروداني، المشهورة عند القاصي والداني، ولما أصدر الديوان عقد له نادي الإبداع جلسة إفادة وإمتاع، شاركنا في تنشيطها محمد التوبالي، الرجل الذي لا يماري، والفنان الذي لا يداهي. صاحب الموقف الوفي، للفن المسرحي.
والشاعر أحمد ـ قدس الله شعره ـ شاعر صموت، لا يخوض في المعامع، ولا يزدحم على المجامع، يدخن السجائر مغردا، وتدخنه منفردا.
صعلوك شعراء عصره، رفض القيم السائدة، وأخلص للقصيدة، فلم يستمتع بمباهج الحياة، ولم ينل الحظوة المرتجاة، حتى صار كالأيتام في مأدبة اللئام. يشكو ألم الاغتراب، وزيف الانتساب. يصارع الدهر، ويقاوم القهر، بروح عنيدة، وناي قصيدة. يطاوعه اليراع إذا شكا الوجد والضياع، وتنقاد له القوافي انقياد الجياد.
وزع الديوان بيد مرتجفة، ونفس متعففة، لا يبغي تجارة ولا ربحا، بل أن يقرأه القراء، وتعرف فضله مدينته الغراء. ولما ارتقت روحه إلى السماوات، بقيت نسخ الديوان شاردة في المكتبات.
تكالبت عليه الأيام والليالي، تكالبها على كبار العلماء والأدباء، لكنها لم تحوجه إلى السفهاء. فقادته عفته إلى بيع ذخيرته من الكتب لتجار النحس، بالثمن البخس:
اسمع يا صاح هذه الشكوى الأليمة من الأهل والديار:
1 ـ فقد اعترت مسحة الضياع
قسمات وجه
كان صبوحا غداة الفتح.
2 ـ رمت المدينة معطفها الكحلي
أنجبت سلاطين لا ترى ولا تنام.
واسمع هذه الصرخة المهموسة، في وجه الزمن، صرخة تكاد تشبه صرخة قيصر في وجه بروتس:
كم تكذب علي أيها الزمن
كلما وقفت في بابك
طالبا مددا أو إلهاما
أو زغرودة إعجاب.
ما اقسى النهاية يا أحمد وما أفدح القرار:
1 ـ ثم دعيني أرحل عن ( الديار )
فقد أنكرتني هذه البلاد
وأنكرني القوم والأهل الأحرار.
2 ـ ما أقسى أن تكون محطات العمر
عربات قمامة مفخخة
وسلالم مهشمة الدرجات.
ما أرخص العمر يا صاحبي! وما أخلد الكلمات!
وما أشبه أحمد بمحمد! محمد ربيع أعني. فهل من سبيل لإحياء ذكراه؟

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.