أخبار عاجلة
الرئيسية / اشراقات / رسائل من زمان كورونا الرسالة 16 من منير المنيري إلى محمد كروم

رسائل من زمان كورونا الرسالة 16 من منير المنيري إلى محمد كروم

من شيخ الزاوية منير إلى المريد الجائل، في المدن وبين الخمائل؛ محمد كروم.
لقد وصلتنا رسالتك بالبريد المضمون، في زمن الطاعون، فنشرناها في كناش الوجوه(الفيس)، على ما فيها من كلام مشبوه، يطعن في منهاج الشيخ والمريد، والأقوال والأسانيد، متكئا في ذلك على بعض الحجج والبراهين وأبيات الدواوين، ولولا قدسية المكان، وشهر رمضان، لأتيناك بالعجب العجاب، ولب اللباب، في الدفاع عن كل مريد صغير أو كبير، مبتدئ أو نحرير، يمنحنا البيعة عن علم ووداد، وطول رفقة واجتهاد، ولكن ما دام المقام لا يتسع للمقال، فلنا أن نخوض فيما يعود علينا بالنفع، ويؤنسنا في هذا الربع، فقد طال الحجر إلى غير النهاية، والأبحاث بشأن الكوفيد ما زالت في البداية، ولكن والحمد لله، فرغم مضاضة القبوع بين الجدران، كبعض الكهان، إلا أننا نطلب من الله صباح مساء أن يجعل الوباء بقدر ما تطهر به النفوس، وتحلو به الطقوس، وأن يرفع عنا مقت وخبث الذين يستغلون الأزمات والنكبات، ليمارسوا قهرهم بقبيح الصفات، ولا يتوانون عن تمرير القوانين والقرارات لتكبيل الشعوب، وإخضاعها للفقر والخطوب، لأننا سمعنا البارحة في المذياع، ما يضر بالأسماع؛ أن الحكومة عازمة على إنشاء قانون يحد من المقاطعات والتعبير، وفضح المجرمين والتشهير، وهذا كما قال مدونو كناش الوجوه، تعليقا وتدقيقا وتحقيقا، إنما عمدت له الحكومة إرضاء لأصحاب المال، ولقيادة المتمردين والأجيال، فأرجوك يا كروم أن تبلغنا في كتبك اللاحقة ما يتعلق بهذا الخبر الشائن والفعل البائن، لأننا عازمون على استقصائه إلى حين استئصاله، بالدعاء المستجاب، ومقاطعة الأحزاب، ورفع الأمر للسلطان فهو رحيم أمين، ولنا وللسفهاء من المنتخبين خير مؤدب ومعين، فاللهم انصرنا به واسحق أهل السياسة والكياسة ممن يشتمون العاهرة ويبيتون في فراشها، ويأكلون مع الذئب ويبكون مع الراعي، ويكثرون من النسوان والعمارات والغلمان، آملين أن يبلغوا المجد بالاحتيال واستعباد الناس بالمال، وأقوالنا فيهم ليست من باب الحسد والطمع، لما عهدناه من نبل أخلاق الزوايا والتصوف، والتربية النبيلة والتقشف، وإنما تبيانا لحقيقة أمرهم، وفضح أمورهم وأسرارهم، ولنا في القادم من الأيام رسالة أنيقة تحمل إشارات لطيفة عنوناها ب “ما لأهل السياسة من الخدع والرياسة” استقصينا فيها كثيرا من أخبار الساسة وطرقهم الدساسة، فإلى حين خروجها من الزاوية، أعود بك إلى ما أثرته في كتابك الأخير وما نثرته بأسلوبك الشيق الوفير، من أخبار وداد الأديبة، التي نتأسف لمآلها وأحوالها، في السر والعلن، ونعدك أننا سنبعث بعض خدام الزاوية من النساء القانتات العابدات السائحات إلى منزلها برودانة، لتأتينا بخبرها اليقين، وتبلغها اشتياقنا لأسلوبها الرصين، فكلماتها لم تندثر كما أخبرت وإنما تلوح في الذاكرة كبقايا الوشم في ظاهر الكف، وهي شبيهة بما نثره ونظمه شاعر الحداثة، ورمز البشاشة والسماحة، أحمد في ديوانه بؤس أقل، هذا الشاعر الذي لم تعترف به النوادي الأدبية ولا المجالس الفكرية، ولا دعاة الأدب في البلاد أو أحفادهم في الوهاد وإنما تجاهلوه في حياته وبعد مماته، ولو كان ذا مال لبسطوا له المدائح العصماء والكلمات الشماء وأقاموا الأربعينية والخمسينية والستينية والمئوية وظلوا يتفقدون ذكره ويزورن منزله، ولكن لأنه فقير فمن حقه النسيان والتجاهل، وهذا ليس قولنا الآن في هذا الشاعر وإنما أجهرنا القول ليلة وفاته، بما تملي محبته وسماته، في موقع تارودانت أون لاين المحظور، تنبيها للناسين وإنذارا للغافلين، وإبرازا لبعض أحواله التي جرحت الفؤاد وأصابتنا بالسهاد، ولم ننس ذكراه وذكره إلا بعدما رجعنا إلى ديوانه فوجدنا جميل تنبؤاته، بمصيره ومصير مدينته، يقول في ديوانه وهو المريض السقيم في أواخر حياته:
أضحت مدينتي العجوز
قرية صغيرة بتناقضاتها المرعبة
وجهها جرح معفر
بالدم والحناء
أسوارها لم تعد تحمي الطيور
من وعثاء الليل وشطحات الصباح
أبوابها طلاسم تراود
نبوءة مؤجلة في الخفاء…
وهو القائل أيضا في هجاء المدينة:
كتبت على سور مدينتي
مات الحب ووهن الجسد
انقطع الوحي وسرى رحيق السم في الأمصال
وفي قصيدة أخرى في غاية الحكمة والمتعة:
لا تجعلي لحمك يا نانا
بضاعة لا تساوي سيجارة
فأنت صبية غراء
لا تعرفين بعد منطق الربح والخسارة
أكفاك كل هذا يا صديق الزاوية، وصاحب البادية، في أن نترحم في هذا الشهر المبارك على أحمد الإنسان، الذي عرف بالبشاشة والإحسان، وتنزه عن التملق والتسلق حتى إنه رثى نفسه قبل مماته كبرياء بقوله في الديوان؟
أموت كما أريد
أنا ملك يبكي أطلال أندلسه، فهل بإيعاز المجاز يحنو من قلبه حجر، مهزوم لا، منتصر لا، أنا المسلوب يا قوتة أيامي، ودعت أحلامي الوردية وآصال شرفات مساءاتي ولما خرجت من مملكتي أيقنت والفوضى تسبقني والغوث يلاحقني أن لا مناص من احتراف الجلد المرير….

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.