أخبار عاجلة
الرئيسية / اشراقات / رسائل من زمان كورونا الرسالة 15 من محمد كروم إلى منير المنيري

رسائل من زمان كورونا الرسالة 15 من محمد كروم إلى منير المنيري

من محمد كروم
إلى الأستاذ منير: شيخ التوابع، ومثير الزوابع
أما بعد:
فإن من الجهل ما قتل، ومن الرسائل ما تعثر وما وصل. ومن القلوب ما تنافر وتواصل. وإنا نراك تثير الزوابع أنى حللت وارتحلت. وتعض على الزاوية بالنواجد والقواطع، وتدب عنها بالأسجاع الروائع. لكن قد يغص بالماء شاربه، ويموت بالسيف حامله. لأن عناوين رسائلك توحي بما تضمر، و تسعى إلى فعله لو تقدر. وإني أراك تقود الرسائل إلى مسلك وعر، وتخرج بها من رفعة الزاوية إلى وهدة الوكر. وتبعد بها عن الأدب والكوفيد إلى ما يرضي التابع و المريد. وقد ضمنت كتابك الأخير من الدرر أحكمها، ومن النصائح أجملها. لكن نرى أنها على أجياد الغزلان ستكون أحلى، وآذان الصبيان بها أولى. وإني لا أرى حالي وحالك إلا كما قال فحل الشعراء لغرة بني حمدان:
لئن تركنا ضميرا عن ميامننا ليحدثن لمن ودعتهم ندم
واعلم ـ وقاك الله من ضربات الخلف ـ أن مما يشد عضد الزاوية، ويحميها من الهاوية، عدم الانشغال بالسفاسف، وتتبع النكت والطرائف، بل شحذ الهمة، والانكباب على الأمور المهمة، والنظر في أمور الأمة، بعين الفاحص المدقق، لا التافه الملفق، أو الغر المتملق. وطلب العلم من الأمور العظيمة الموجبة للدرس، المحفزة للنفس .وهذا لا يتأتى إلا بدراسة المتون، واستخراج جوهرها المكنون. وقد علمتم ما في حوزتكم من كنز مدفون.
وهذا كتاب الله جل جلاله، أنبأنا أن رب العزة لم يستحي أن يضرب المثل بالباعوض والنمل، والفيل والنحل، وأن يشبه بالحمار الغبي الجاهل، أو الخائف الوجل، والمكذب بالكلب، والموتى بالجراد، وجعل للحمير زينة، وصيرها للخيل قرينة. وغير ذلك كثير، من الفراش والغربان والبعير…فليعتبر أولو الألباب، وواضعو الرؤوس في الأقباب.
حسنا فعلت لما اخترت الكلام عن الروائية، منتسبة الزاوية، وداد الرودانية. فحقها بالتكريم والتعريف أبلج، لا ينكره إلا جاهل أو طائش أهوج.
وقبلها دعانا إبراهيم أكراف إلى الكلام عن الكتابة، وتخصيصها بالنظر والاعتبار، وها قد حان الحين، لتلبية الدعوة، وفصل الزبد عن الرغوة. فلنَدَر الأسجاع، ولنُدر كؤوس العبارة كما شئنا لا كما شاءت الصناعة.
وداد يا صاح، عركت الحياة وعركتها، خبرتها وهي غرة لم يجر الماء بعد في عودها. مضغتها في الداخل والخارج، أكلتها كثرة التجارب، كلما سقطت، نهضت من جديد سلاحها دمعة وابتسامة.
أخرجت ” نساء بين متاهات السحر والمجهول” فسحبتها من الظل إلى النور. وأضاءت بؤرا كثيرة في حياتها وحياة بنات جنسها، قدمت للقارئ تجربة أنثوية غارقة في القهر، واللاجدوى. فبطلاتها لسن مثقفات ولا قويات، بل مهمشات، مهيضات الجناح أو حاقدات، وشريرات، انتشلتهن من قاع المجتمع، وقدمتهن للقارئ بلا مساحيق ولا أصياغ. فلا غرابة أن نجد المرأة هي الذات والموضوع. هي الكاتبة والمكتوبة والمقروءة.
بالرواية حطمت حواجز الأدوار المنوطة بكلا الجنسين. فجاءت ثورة. ثورة على المرأة ذاتها، ثورة على النموذج الشهرزادي الشفهي، وتأسيسا للنموذج الكتابي. ولأنها أنثى بدت ثورة ناعمة، وغير معلنة ضد المجتمع الذكوري المهيمن. وجاءت تبعا لذلك ضرباتها على رأس الطابوهات ضربات لطيفة، لا تخلو من رومانسية حالمة.
كتبت وداد الرواية بوعي مأساوي، منطلقه ذاكرتها النسوية الجريحة، كتبت بالأسنان والأظافر، ضد الحصار الحديدي المفروض عليها لانتزاع شهادة اعتراف في المجتمع والكتابة معا.
خاضت وداد حروبا عديدة على المستوى الاجتماعي، والشخصي، والنفسي. وشكلت كتابة الرواية جبهة حرب جديدة. فأعطاها تعدد المواجهات مساحات واسعة من المشاعر والتوتر. وبين الجبهات كانت تسرق وقتا لتكتب حداثتها الناعمة والخشنة، تكتب صوتها الخاص الممزق بين صوت الأنوثة، وصوت الذكورة.
كتابتها معزوفة موسيقية تتنفس خصوصية امرأة محكومة بالحب والقهر والبسمة الدائمة، محكومة بالانتظار بين الرجاء واليأس، بين الصحة والسقم. كتابتها حمامة بجناحين: جناح البكاء والشكوى، وجناح الانتشاء والحرية.
في تنقلها القلق ظلت تغزل كلماتها صوفا، ناعما حينا، خشنا حينا آخر. تغزل خيوطا وحبائل توقع القارئ في مكر الحكاية، وشباك السرد. في ممارستها الكتابة كانت تمارس لعبة التشبث بالحياة، والثورة عليها في آن. إلى أن ابتلعتها الحياة نفسها، وغاصت بها في دروب الحمراء، مخلفة وراءها أصداء وذكريات ما لبثت أن تلاشت وانتهت. كما تلاشت وانتهت كلمات شاعر آخر، ظل يغني للألم في صمت حتى آخر لحظة في حياته. إنه صاحب ديوان ” بؤس أقل “.

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.