أخبار عاجلة
الرئيسية / اصدارات / رسائل من زمان كورونا الرسالة 12 ” الرسالة القارعة” من منير المنيري إلى محمد كروم

رسائل من زمان كورونا الرسالة 12 ” الرسالة القارعة” من منير المنيري إلى محمد كروم

من شيخ الطريقة الأكبر ونجمها الأبهر، إلى الأستاذ محمد كروم، المريد القيدوم، والعارف بأحوال الزاوية وأياديها البيضاء على الخواص والعموم، ممن يزورونها للبركة أو لإزالة الهموم، أو الفارين من قهر الزوجة والأولاد، وذل الاضطهاد، لقد أومأت في كتابك الأخير، وخطابك الخمير، إلى شؤون المشيخة بجزل الكلام وألفاظ كالسهام، فأبرزت ما يخفى على الجمهور بقلمك الجهور، وهذا لا يتأتى إلا لطامع في مفاتيح الزاوية، أو لمتمرد يسوق الأتباع للهاوية، وما نظنك من هذا ولا ذاك، فأحسن الظن بنفسك، نحسن الظن بأقوالك وأنفاسك، ولا تزح العبارة فتكن أهجى من جرير وأكيد من قصير، فالألطاف الربانية وأفعالك الآدمية كفيلتان في القادم من الأيام، أن ترينا أكنت من الكرام أم اللئام؟ أو كما قال شاعرنا النحرير، وصاحب الأمير:
وللنفس أخلاق تدل على الفتى*****أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
ولكن ما دمت سبقت إلى النصح و التصريع فسأجيبك بالتلميح و التقريع، لعل من يقرأ الكتاب بعدنا، يفهم أحوالنا، في الحرث والنسل، بين العقل والنقل، وهذا باب عظيم الشأن، أدعى إلى الأمن وفيه أقول جوابا على دعوتك بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي الأمين، المبعوث رحمة للعالمين وأصحابه الغر الميامين:
إن مسألة الزواج مكفولة للقدر، وليس للأجدر أو الأقدر، والناس كما تعلم أصحاب حظوظ، فهذا متنعم بالمال والجاه، وآخر بالنساء وقوة الباه، وثالث بالبقر والشياه، وقد أنعم الله علينا بكثير من النعم، منها هذه المشيخة التي أخذناها بالبيعة والأريحية، وطيب السجية، فرصفنا منذ تولينا رياسة الزاوية المباني، وأكثرنا من المعاني، فهوت إلينا النفوس عن صبابة، وقوة الإصابة، ونحن منتظرون كما قلت خريدة القصر وأنيسة العصر، التي ستدفئ الجنب وتوقظ القلب، وتسر الناظر بخصرها الضامر، وأملنا في ذلك على الله، بعدما يأسنا في اختيارها من بين النسوان في كثير من البلدان، وعزاؤنا في التأجيل والتأخير ما رأيناه من مآسي بعض الخلان، الذين أصبح حديثهم على كل لسان، في النوادي والمدن والبوادي، فهذا فلان أصبح عبدا بعدما كان سيدا، ترفع له القبعات، وتنصب له الرايات، فإذا بنا نراه في الأسواق يحمل الأطفال وزوجته تلبس “البودي” والسروال وتدعي الاستقلال، وآخر قد جرته الزوجة والأولاد إلى الاقتراض فبنى الرياض وأصلح المرحاض ولكنه دائما في انقباض، وثالث قد صرفته زوجته عن خلته القديمة وأمه العظيمة، فخسر الآخرة وما فاز واستهجن فعله في الدنيا وما حاز، فهل تريد أن نعجل بغرس الفولة، وننفق العمولة، فنصبح مثل هؤلاء الأصناف، ممن ذكرناهم بإنصاف، ولولا مرتبة المشيخة التي تدعي الحفاظ على الأسرار، لذكرنا لك كثيرا من الأخبار، الداعية إلى أخذ العزوبة ملجأ إلى حين إقبال القدر في ثوبه المعتبر، وإلا فلا زواج ولا أولاد ولا أوتاد، فنحن ممن لا نهوى بيع مروءتنا ولو بألف طن من الذهب، فكيف تريد لنا أن نتزوج من امرأة لا تسمن ولا تغني من سغب، وتجعل المشيخة في خبر كان، وكل ما حوته من مجد فانيا، أما ما عبته من كنس وطبخ وعجين وتنقية السردين، فهذا مما أوصى به النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، ومما يقوم به العازب والمتزوج معا، وقد رأينا من أفعالك في هذا الكثير، مما يدعونا إلى إعادة التفكير، خصوصا أيام كنت طالبا بالرباط، تدفع الكراء بالأقساط، فوا عجبا تنصح بما تأتيه، وتدفع الشبه عنك بما لا تأتيه، وما أظنك وأنت المالك لقلب كقلب العصفور إلا أنك الآن تحضر رفقة عقيلتك الفطور، وتحن إلى مراكش الحمراء، ذات الأمجاد الغراء، يوم كنت كالطائر تشرب من النبع، وتصول في الربع، وتنام في “البريتش” بالمدينة القديمة، وتتملى من النافذة في كل جميلة، وتردد اللحن والكلمات مع موسيقار الأجيال:
أحب عشت الحرية
زي الطيور فوق الأغصان
مدام حبايبي حوليَّ
الدنيا كلها عندي أوكار
أستغرب حقا كيف عبت المشيخة على العازب، ولك في التاريخ آلاف الأمثلة والمشارب، وأقربهم لك بوزفور شيخ القص والسرد، ونزيدك من هؤلاء المشايخ، الذين أحصاهم صاحب كتاب العلماء العزاب ممن آثروا العلم على الزواج: الزمخشري، وابن النفيس، وابن الأنباري، وأبو علي الفارسي، وشيخ الإسلام ابن تيمية…وكل هؤلاء من القدماء أما من المحدثين ، فخذ لك مثلا العقاد صاحب الفكر الوقاد، وطاهر الجزائري الذي وقع العقد فلم يجد الوقت للدخول على زوجته لكثرة شغفه بالتأليف وغزارة الأرشيف، فطلقها بعد التسويف، فأين أنا وأنت وكل قراء كتبنا من هؤلاء الأفذاذ، الذين أكثروا الإنتاج وهجروا الزواج، ولكن نأمل ألا نكون منهم والأمر موكول لكم، فمتى لمحت من تستحق أن تكون أنيسة الشيخ، وتقر في بيتها وتتقن الطبيخ، وتصعده بآهاتها إلى المريخ، فارشدني إليها في كل وقت وتاريخ، فأنا لست من الكهنة ولا من السيخ…وهذا نهاية كتابي لك فانتقل بنا إلى ما ألفت مؤخرا من مقالات وقصاصات وأغلق باب المشيخة وأحوالها فلها أناس يحملون أثقالها.

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.