أخبار عاجلة
الرئيسية / اشراقات / رسائل من زمان كورونا الرسالة العاشرة من منير المنيري الى محمد كروم

رسائل من زمان كورونا الرسالة العاشرة من منير المنيري الى محمد كروم

من منير المنيري
إلى موئل الألباب، ومنتهى البلاغة والإعراب، جامع الشعر والنثر في بوتقة الإمتاع والإيناع والإلماع، محمد كروم، أنيس المكلوم، وبعد، فقد آنسنا كتابك التاسع في خلوتنا بالزاوية، التي خلت من العوام ومن الرفقة السامية، فغدوت بكل ما حوته من كتب وقيثارة وناي حزين، كابن المعتمد السجين، أردد بين الجدران وغرفة الصبيان مقدمة القصيدة الفريدة، ذات المعاني الحميدة:
لكل شيء إذا ما تم نقصان ***فلا يغر بطيب العيش إنسان
فلما وصل إلي كتابك، حُلَّ ما بقلبي من كرب، وأخذت بأسباب الطرب، فغنيت ورقصت وأصبت ما لذ وطاب، من خبز الشعير وعسل الزعتر وكؤوس العصير، مما تبقى من مؤونة الحجر الأول بالزاوية، ثم اسْتَغْفَرْتُ الله، فأعدت قراءة كتابك بتمعن، فوجدت أغلب معانيه واضحة، ولأصل السفاهة فاضحة، فدعتني القريحة بما خَتَمْتَ به مقالتك أن أحدثك عما تهواه نفسك الأمارة بالحب والقص، وجميل السجع والفص، فهل تحب أن نسافر عبر ماضي الزمان، برودانة وابن سليمان، يوم كانت تشير لك الحسنوات بالبنان، والخلان بين معجب وفتان؟ أذكر من شأن تلك الأيام دون أن أنتظر إجابتك، لعلمي بقبول السفر والرهان، أنه كان لك ناد ذي شهرة ذائعة، وأخبار شائعة، كسبتها من استقبالك لكبراء الكتاب، وإصداراتك بين مجلة وديوان وكتاب، وتأسيسك للمهرجان الإقليمي للمسرح، الذي بذلْتَ له أكثر من مورد ومطرح، فتلك هي الأيام لا ما نراه اليوم من احجامك عن الأنشطة والعفاف، وجمود جمعيتك والائتلاف، فهل أنهكك الزمان حتى صرت تتكئ على عكاز الذكريات، وتلتجئ إلى البدايات دون النهايات، وحري بك أن تواصل ما بدأته وأن تصقل من أنشأته، على حب الأدب من الفتيان والفتيات والتلاميذ والتلميذات، رغم ما لقيته من إجحاف وطمس لمعالم مجهوداتك بعد مغادرتك الثانوية للتفتيش، فلم نسمع لحدود الآن اعترافا أو تكريما لك ولو بالشاي والدشيش، وكم حدثنا سرا وجهرا، بأن أبلغ أمنياتك أن تستمر وراءك المشاريع التي شيدتها في الثانوية وأسستها، فإذا بي أجدك في آخر لقاء لنا بمقهى “قمقوم” قبل الحجر الصحي مغتما ومهموما، لوصول خبر توقف مهرجان المسرح لك، وضعف أنشطة النادي، الذي رتبت له الصفوف، قبل مغادرتك، فأُودِعَ أرشيفك قهرا الكهوف، كأنك لم تكن يوما برودانة الغراء، أو بالثانوية الشماء، وعزاؤك الوحيد في هذا وذاك، ما ينثره حولك الجميلون و الجميلات من قدماء التلاميذ و التلميذات، كحسناء ربيعي، ولبنى العبدي، وكوثر السدراوي وإبراهيم الرامي، والحبيب السالمي، والحسن السكراتي، وغيرهم من طيب ذكر وجميل ثناء وإعجابات بالتقسيط والجملة ورسائل حب في كناش الوجوه، فلا تبتئس يا كروم، قد أعلم الآن وقد غرد طائر الكنار واسترسل في طربه بفناء الزاوية، ولسان صوته الطروب يقول لي كفى، فقد هيجت الأشجان، وأبكيت محمد على ما كان في جميل الأزمان، فسحقا للقادم من الأيام، بعد دخولنا في المرحلة الثانية من الحجر الصحي مع قدوم رمضان…..
أخبرك أنه وصلتني عدة نصوص للزاوية بغية التأمل والتنقيح، فهذا كاتب بأشواقه يشيح، وآخر بآلامه ينوح، وثالث يأخذ في السجع والتباريح…فليعذرني رواد الزاوية لأنني لم أنظر لها بعين الروية، لخلوها من خبر كرونا أو سهامه المشؤومة، فأنا منذ أن دخلت في الخلوة لا أرى غير الآداب والأخبار المتصلة بالفيروس، أما أهازيج الحب والنفوس، فلا أرى لها جدوى في مواجهة العصر الجديد، إذا بلغنا العمر المديد، أرجوك التمس لي عند كل هؤلاء ألف عذر وأخبرهم أنني أتقلب ظهرا لبطن، فأقرأ من البيان والتبيين صفحات ومن مفاتيح العلوم نفحات ومن الفتوحات المكية أوراقا ندية، فما استفدت شيئا وما حصلت معنى أو فيئا، وما ذاك إلا أن خلوة كرونة ثقيلة على قلبي وأنا وحيد بالزاوية والخلان في شغل وناحية، يتشوقون للقائي وأنا أحترق لغيابهم عن المجالس، التي تفرج هم اليائس، وتنأى به عن الخبائث والدسائس…
إلى هنا يا كروم، أجدني غير قادر على وصل الألفاظ والعبارات لما يعتري عيني من الحزن والعبرات، وأراني سأكسر الحجر بعد قليل، وأجلب من باب تارغونت ما أتزود به من شراب وقوت يسير، لما يستقبل من الأزمة وما سيقع من النكبة، فلم يعد هناك أمان ولا ألحان ولا خلان…

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.