الرئيسية / اشراقات / رسائل من زمان كورونا : الرسالة التاسعة من محمد كروم إلى منير المنيري

رسائل من زمان كورونا : الرسالة التاسعة من محمد كروم إلى منير المنيري

من محمد كروم
إلى الشيخ الوسنان، معلم الغلمان، وعاشق البيان:منير المنيري
قرأنا كتابك الأخير، فوجدنا فيه من الفوائد، ولذيذ المتع العدد الكثير. لكننا تأخرنا في الرد عليه لانشغالات طارئة، زاحمتنا فسلكنا مسلك المرجئة. ثم أعملنا الفكر والتدبر، فارتأينا أن نكتب غبا، لنزداد حبا. وقد رجح رأينا، وقوى عزمنا، قول أبي تمام، صاحب البدائع، ورائد الصنائع:
إني رأيت الشمس زيدت محبة إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد.
وهو لعمري معنى لطيف، وتشبيه ظريف، يعد من نفائس الأثر، التي يحتاجها البدو والحضر.
عبتم علينا في كتابكم، عجزنا ـ فيما دوناه ـ عن “إشفاء الغليل، وبعث النسيم العليل”. والأمر ليس كما ذهبتم، أو اعتقدتم. ذلك أن لكل مقام مقالا، و لكل زاوية رجالا. ومقامكم مقام خاص، لا تعوزه القدرة على فهم الإحالات والتناص. وقد عولنا في مخاطبتكم على قصر العبارة، وحسن الإشارة، وتجنبنا الاستطراد، لأنه أداة العامة والسوقة، ورواد الحلقة، ومن السلف من جعله ميسما على ضعف العقول، ولازمة من لوازم الولدان، فارغي الجنان. فاربأ بنفسك عن هؤلاء، ولا تحشرها في زحام الغوغاء. وأخوف ما أخافه، أن يقع هذا الكتاب بين يدي من لا يعرف معادن الرجال، ولا يميز الخلاخل من الحجال، فيُجري عليك قول شاعر العربية المقدم، وفحلها المعظم:
ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الزلالا
أما إشارتكم إلى “الذي يتوسل الخير نفاقا أمام الناظر، ويدون لذلك المحاضر.” فما نسيناه، ولا تناسيناه، ولكن لكل شيء أجل، لا ينفع معه تأخير ولا عجل. ورغم تشوقنا لإثارته، وتشوفنا لتجليته، فإنا نراكم تثيرون الزوابع، وتتحاشون المواجع. فكان حريا بكم أن تبسطوا الأمر، وتقلبوه بطنا لظهر، وتدلوا فيه بدلائكم، وتضربوا بأسهمكم أكباد الحقائق، ورؤوس المرافق. لكنكم آثرتم السلامة، وخفتم الندامة، فألقيتم ـ كدأبكم ـ كرة النار في حمانا، وقبعتم تنتظرون ردنا.
كل نفر من هؤلاء يا شيخ الزاوية، داهية ابن داهية. ليس في صدره جنان، ولا يحركه بر أو إحسان. غايته أولى من الوسيلة، ولا تعوز مسعاه الحيلة. يركب كل وسيلة، لتحقيق غايته، وحيازة بغيته. شبوا على الحرمان، وصادقوا الشيطان، فزين لهم أعمالهم، وخيل لهم أعلامهم، ثم ألبسهم لباس التقوى، وأفرغ جوفهم من الرحمة. فلما تحكم في رقابهم، قاد أعنتهم وأرسانهم إلى السياسة، وأعمى قلوبهم عن الكياسة. أغرتهم المقاعد والمناصب، فنصبوا للمحتاجين الفخاخ، كما تنصب للأفراخ. علموا حاجتهم الزائدة، وفراغ المائدة، فسخروا الدرهم الأبيض، وادخروه لليوم الأسود. يوم يباع الصوت، ويخفى السوط .
ولأن الدناءة لا حدود لها، وثقوا بالصور العطايا، في طياتها المن والمنايا. فمد المحتاج من جوعه للبضاعة يدا، وألقى من الخجل على عينيه يدا.
ولم تنته من كتابك حتى ألقيت في وجهنا كرة نار ثانية، فطلبت الكلام عن “أشباه رجال الصحافة”. وأنت تدري أنهم ليسوا موحدي القاعدة، ولا يتبعون خطة واحدة. وتعلم علم اليقين، كما تعلم الفرق بين السعيدين بنكراد ويقطين، أن منهم من ينتمي إلى الصحافة ومنهم من ينتمي إلى السخافة. ولكل أنصاره، وجنوده، أو أعداؤه وخصومه. أما أهل الصحافة فكالذهب في الرغام، وأهل السخافة كقشرة موز على الرخام. لا يحتمون بالذهن، ولا يفرقون بين التبن والعهن. وشرح الواضحات من المفضحات.
وثالث الأثافي في كتابك، زعمك أنك “ترى وأنت شبه نائم”، وتصدق رؤيتك وأنت غير نائم. فإنها علامة الخرف، وبداية التلف، أو بشارة الصلاح، وطريق الفلاح. فالزم زاويتك، وكسر عودك، وقتر مأكلك، واغضض بصرك، وأدمن قراءة الأسفار، واهرب من لباس الكفار هروبك من كورونا والنار. والبس الصوف على الصفا، واتبع منهاج المصطفى. فما إن يرفع الله البلاء، ويذهب عنا الوباء، حتى نشيد لك ضريحا، يقبله الزوار، ويصبون في ربيعته الدرهم والدولار، قبل أن يشعلوا الشموع، ويذرفوا الدموع. وستحبر في سيرتك الأسفار، وتنظم الأشعار. سيوسعك الأفغاني ( إبراهيم ) جناسا وسجعا، ويعطر أكراد ( إبراهيم ) ذكرك سردا ووردا، وفي كل آذار تنظم في سجاياك مليكة ( بزيز ) زجلا جزلا، ويملأ لمين ( محمد ) أسماعك نغما ولحنا.
“هذا جهدي عليك”، فإن شئت فقر، وإن شئت فطر. والسلام.

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.