أخبار عاجلة
الرئيسية / اشراقات / رسائل من زمان كورونا : الرسالة السابعة من محمد كروم إلى منير المنيري

رسائل من زمان كورونا : الرسالة السابعة من محمد كروم إلى منير المنيري

إلى شيخ الزاوية، منير الداهية :
في كتابك السادس أثرت الغبار، وأعميت الأبصار، عن عجيب الأخبار والأسرار، فاستكثرت علينا مدح الخيرات والأخيار. وما عرفناك للؤم منساقا، ولا للحيف مشتاقا. وغاية مكاتبتنا اليوم أن تقرأ اللفظ، وتفهم القصد، فلا تسلم مقاليدك للهوى، ولا تدعه يركبك ركوب المطايا، ويسلبك أحسن المزايا، ولعمري فأفضل السجايا تخفيف الدق، وقول الحق.
وقد رأينا أنك ذهبت مذاهب شتى في تقريع الغبيات، ولوم الجميلات، وهذا باب تغني فيه الإشارة عن الإطالة، لنفرغ جهودنا للأهم، فالأهم، حتى نكشف القناع ، وننبئ عما يغلي في جوف القاع. وإنا نراك ورطتنا بملغوم الأسئلة ، وجررتنا إلى ساحة كان ودنا أن تكون خاتمة هذه الكتب. ولكن السيف سبق العذل، وحثنا على العجل، فكان لزاما أن نخوض المعمعة، ونقوض أراء السفهاء و الإمعة.
كتبت إلينا تطلب رأينا في الدروس المسماة “تعليم عن بعد”. ولأن الأصدقاء مصاحبتهم مهابة، و طلباتهم مستجابة، أحببنا قبل الإدلاء بدلونا، والتعبير عن رأينا، إعلامكم أن دلونا قد تكون مثقوبة، فلا عطشان تسقي، ولا شرا تقي. ولنبدأ ببعض ما جاء في كتابكم وننفض عنه الغبار، حتى يتسق النظم، و يتحقق الفهم.
فقولكم “عصابة المعلمين” تعبير لا نستسيغه، لأنه يجر علينا وعليكم أكثر من جريرة، ولو نسبتموه إلى صاحب “الذخيرة”. لأن كل قول يفرضه عصره، ويتواضع عليه أهله. وأغلب أهل عصرنا ينسبون ” العصابة ” إلى كلام السفهاء والسوقة. ولا أظنك نسيت انحراف المعنى بانحراف القارئ.
أما قولك: “مقالتك التي ألقيتها لنا في بداية الوباء في كون الفيروس قد أظهر ما كانت تخفيه حجرات الدروس”. فلم ترد في رسالة من الرسائل التي هي مدار الكلام، وموجه الأفهام.
وافهم عني أن من يحكم على تلك الدروس بالجلمة، كمن يجمع البيض في سلة، وهذا حماقة وسفاهة تزريان بما عبناه قبلا، وأشبعناه نقدا وقتلا. فهي ككل أمور الحياة فيها الغث والسمين، الهزيل والبدين. والألسنة كالسنان تشفي وتدمي، والكلام كالمصابيح ينير ويعمي. فإن كنت من أهل العقل والرجحان فاختر لنفسك ما يحييها، وإن كنت من أهل الجهل والطيش فاختر ما يشينها ويرديها. ولا أظنك تنحاز إلا إلى الأولين.
وإذا فعلت ذلك سترى كما رأيت أن التجربة ذات عبرة واعتبار:
ـ شدت الأولاد إلى البيوت، فربضوا فيها كصغار الليوث، وحمتهم من التيه في الشوارع والطرقات، وجمعتهم بالأمهات والآباء ، وحمتهم من الوباء. علمتهم النظام والانتظام، وأن يصحوا والناس نيام، لقنتهم المعرفة في حجرهم، وحاربت قطعا من جهلهم. وفي وسائلها من الجد واللعب، والسحر والعجب، ما يضحك البواكي، وينسي الدواهي، ويكشف حاجة المدرسين إلى أحسن تكوين.
ـ كشفت عورة البوادي، فعرت النجاد والوهاد، حتى انكشفت الأسرار، وظهرت الأضرار: بطون طاوية، أياد خاوية، عيون ذاوية. لا تلفاز، لا جهاز، لا صبيب، غير الريح تقرع الأبواب، غير أصابع غضة غلقت عليها الأبواب.
ـ فرقت الشوارع والأحياء، البعض كالموتى والبعض أحياء. هذا في حجره منتزه و متربع، وذاك في صناديق العمارات يتكربع، هذا محتار بأي جهاز ينعم، وذاك مشغول البال ليس له جهاز فيه يتعلم. هذا في الصبيب يرفل، وذاك من فرط الانقطاع لا يجيب حين يسأل، هذا تصوره قنوات الفضاء باسما، وذاك تخنقه قنوات الأرض نادما.
ـ مجدت من نزلت فيهم أولى كلمات التنزيل، وأمر الشاعر بإيفائهم كل التبجيل، الأساتيذ الذين تزري مهابتهم بكل بليد، وتعلو على تخاريف كل نهاب ونصاب قديم أو جديد، معلمي الأولاد، شبيهي العماد لا الأوتاد. الأساتيذ الذين سحلوا على أرصفة الشوارع، ” وسالت دماؤهم على زفت الشوارع.
قالوا: لا للتضبيع، فسيموا الخسف، وحرموا النصف. طالهم النسيان،وطعموا ” الكسرة.. والماء.. وبعض الثمرات اليابسة.. وها هم في ساعة الطعان، ساعة أن تخاذل البغاث، والمغنيات والتافهات، دعوا للميدان.” بلا سلاح بلا تدريب:
“يلجمون جواد المياه الجموح
ينقلون المياه على الكتفين،
ويستبقون الزمن،
يبتنون سدود الحجارة،
علهم ينقذون مهاد الصبا والحضارة،
علهم ينقذون .. الوطن. “

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.