أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / التربية على التَّعايُش … صلاح بوسريف

التربية على التَّعايُش … صلاح بوسريف

” كل شيء يفسُد بين يَدَيْ الإنسان” . هذا ما يقوله جان جاك روسو، في كتابه «إمِيل أو التربية». ما يعني أن الإنسان، هو من يمكن إن تَفْسُد في يده الأشياء، ومن يمكن أن تصلح هذه الأشياء، نفسها، في يديه، وإلا ما الذي دفع روسو نفسه ليكتب كتابه هذا الذي هو بين أمهات الكتب في التربية؟

إنَّ أهم ما علينا الانتباه إليه، في هذه القولة، هو أنَّ كل شيء في الوجود، يدور حول الإنسان، باعتباره هو «الحيوان الناطق» أو العاقل، أي من يُعِيد ابتكار وخلق الوجود والطبيعة، وفق ما يراه، وما يخدم رغبته في التطور وفي الرَّفاه. فالإنسان من بنى المُدن، والإنسان من بنى السُّفُن، والإنسان من رفع طوابق البيوت والعمارات، والإنسان من بحث في الطبيعة عن الدواء، وعن الطعام والماء والهواء، وهو من تاجر بالصَّنائع والسِّلَع والبضائع التي أنتجها، وطريق الحرير في آسيا، هو دليل على ما عرفته الأرض من عمران، وما عرفته، أيضاً من فساد وخراب. فعبور المغول لطريق لحرير، وغزوهم للحضارات والثقافات، وتدمير بغداد، وتدمير ما كان فيها من عمران ومعرفة وعلوم، وما تركوه خلفهم من جثت وأشلاء، هي إحدى التعبيرات الصارخة عن هذه الوظيفة المزدوجة للإنسان، في أن يكون مِعْوَلَ هَدَمٍ، أو أداةَ بناء. كل شيء منوط بالوظيفة، أو بالكيفية التي بها نُربِّي الإنسان ونُنْشِئُهُ.

إذن، فالتربيةُ هي سلاح ذو حدَّيْن، حدّ يهَبُ الحياة، وحدّ ينزعها ويسلبُها. ووجودنا على الأرض، هو وجود بالحياة، من أجل الحياة، وليس وجوداً بالقتل والفناء. حتَّى الحروب التي جرت عبر تاريخ الأرض، كانت سَعْيَ طرفٍ للحياة بأخذها من الآخرين. وهذا كان توحُّشاً، بدل أن يكون تَعايُشاً.

هل ما نعيشُه اليوم، من حياة، ما زالت فيه بوادر التَّوحُّش كما تحدَّرَتْ إلينا من قديم وجودنا، أم هو تعايشٌ، كما نفترض أن التطور الذي نحن فيه، والعقل الذي يحكم فهمنا ورؤيتنا للأشياء، يفرضان علينا أن نذهب إليه ؟

الجائِحَةُ التي باغَتتِ الأرض، وباغتَت الإنسان، كشفت عن الجوهر الكامن في الإنسان، وهو جوهر يقوم على المَيْل إلى التعايُش، وإلى التضامن، وإلى التعاون والتآزر. فالإيطاليون، حين رأَوْا أنَّ أوروبا تخلَّت عنهم، أحرقُوا أعلامها، وطلبوا الغَوْثَ من الصين والبرازيل و روسيا، رغم أن أوروبا اعتذرت للإيطاليين بشكل متأخِّر، أو انتبهت، في آخر لحظة، أنها انشغلت ببعض جراحها، ونسيت بعض جراحها الأخرى. هل للتربية دور في ما حدث، في هذا المثال، بالذات؟

أظن أن الكل استثمر في السُّوق، وفي التقنية، وفي ما جرفَتْه خلفها العَوْلَمَةُ من غبار، وتَغافَلُوا عن الإنسان، عن تكييف التربية والتعليم، بل والعقل، إذا شئنا، مع ما كان يجري من تحوُّلات اقتصادية وسياسية. فالوحدة الأوروبية، كانت، في أساسها، وحدة اقتصادية سياسية وعسكرية، ولم تكن وحدة بمعنى التعايش والتضامن، لأنَّ بعض سمات التَّوَحُّش، طفت على السطح ساطعةً، في أول امتحان، وهو لم يكن حرباً في النور، بل حرباً في الظلام. ما يعني أن الأسس التي تقوم عليها التربية والتعليم، رغم ما يكون من خصوصيات عند كل طرف في هذا الجانب بالذات، كانت هَشَّةً، أو لم يتم التفكير فيها، ليكون الجسم، كما جاء في معنى الحديث النبوي واحداً، متَّى مسَّ الضَّرَرُ عُضْواً منه، تَداعَتْ لَهُ باقِي الأعضاء بالسَّهَر والحُمَّى. بل إنَّ كُل عضو كان يتألم، دون أن تتداعى باقي الأعضاء، ما يعني أن البناء، في مستواه التربوي أو الفكري، إذا شئنا، كان يشبه تركيبة الجسم الفرانكشتايني، الذي هو رُقَع من أطرف بشرية متنافرة، لا تجمعها إلا الخيوط التي كانت تلَحَمُ الجسم، وتشُدُّ بعضه إلى بعضه الآخر.

وعندما نعود إلى روسو، فهو كان أكَّدَ على شرط التربية بالتَّكَيُّف، وذهب إلى أن النباتات إذا كانت «تَتَكيَّف» بالزراعة، فالناس، أو الإنسان «يُكيَّف» بالتربية. ولعل معضلة التكيُّف هذه، هي بين ما أخفقت فيه الأنظمة والدول، وبين ما ساهم في حدوث ما نراه من مآسٍ في الكرة الأرضية، لأن «الأنا» غلبت على الـ «نحن»، وبدا كأن كل دولة، وكل نظام، هو جزيرة منفصلة، لن يبلغها الطوفان، فيما الطوفان، اليوم، اجتاح الجميع، وأصبح يفرض أن نتكيَّف مع ما في جوهرنا من روح التعايش، لنخرج مما استوطننا من توحُّش.

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.