أخبار عاجلة
الرئيسية / اشراقات / رسائل من زمان كورونا، الرسالة الخامسة من محمد كروم إلى منير المنيري

رسائل من زمان كورونا، الرسالة الخامسة من محمد كروم إلى منير المنيري

إلى السراج المنير، والقلم المغير، الأستاذ منير:

في كتابك أيها النحرير، ماء نمير، وفضل كثير، و ذهن يزداد اتقادا، وبلاغة تمتد امتدادا، كأننا صببنا ـ غير راحمين ـ على نارك زيتا، فأضاء ت المدينة بيتا بيتا. ما كان هذا قصدنا، ولا هفا إليه همنا، ولكن الكرم يقتضي الإشادة، وشحذ الإرادة. فكرم الانتماء الذي أسبغته علينا، وكريم الأوصاف التي كحلت بها عيوننا، بالطرائق اللطيفة التي اهتديت إليها، جعلتنا نشهد بصلابة قناتك، وهيبة كنانتك، ونشهد لك بقصب السبق، وقدرة الفتق.

ولأن السفهاء مفارقون للحق، وملتصقون التصاق البق، لا أرى لك منجاة من تفيهقهم، ولا مندوحة عن مجادلتهم. سيذهبون في رمي موقفك من الفن مذاهب شتى، ويهاجمونك بأقبح من حتى.

لا أنازعك الرأي أن الفن في زمننا هذا قد مزج بالغش والتدليس، وكثرة ” التبلحيس “، حتى صار أمره عجيبا، وصادقه غريبا. وقد رمَيت بالعبارة الرقيقة، والإشارة الدقيقة، كبد الحقيقة.

ولو علم رعاة الفن أن الأذواق تربى، مثل الشهد لا المربى، ما أطلقوا العنان، لكل من هب ودب، حتى اختلط الحابل بالنابل، وصار كل غراب بما لديه ينعق، وكل ما لست أسميه ينهق. أين الأماجد ممن أشرتَ إليهم بالبنان، ووسمت كلا منهم بالفنان؟ لازموا الصمت، وفارقوا السمت. فغدا البغاث بالفن يستنسر، وبالفساد ينذر. فأين معلم الأوتاد ـ يا نعمان ـ ممن كاد أن يكون رسولا؟

وإذا كان الأمر كما جاء في الأثر: لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة… فما بالك بمن هم دون العلماء قدرا، ودون الجياد قدرة؟

وقد أنبأتني اليمامة، قبل وضع الكمامة، عن مروجي الزيف، من مناصري الزيغ، فتفننوا في بث الأوديوات، وترويج الفيديوهات. فرأينا رأي العين، عن قرب وعن بين، الجثث، تساقط سقوط الذباب في الشوارع، أو تحمل على سيارات لا توقفها الموانع. وسمعنا بآذاننا الساخرين والساخرات، يتفننون بالأصوات الماكرات، مستهزئين بالفيروس، ومتندرين بالطاعون والتيفوس.

ولأن السفاهة لا رادع لها، والجهالة لا راد لها، ظهر المتنبئون والأوغاد، فتبعتهم قطعان كثيرة الأعداد، وظهر المتمردون الخوارج، يصطفون فوق سطوح العمارات الشامخة كالبوارج، و غزت أوقاتنا أسماء غريبة: فهذا أبو الجحيم، وتلك أمهم نعيمة، وهاته صاحبة القطران، وبائعة الفئران، وتلك بائعة الهوى، أضناها الفقد والنوى، فأطلقت لسانها ينطق عن الهوى. لكن ما أن انجلى الغبار حتى تبين راكب الحصان من راكب الحمار. وحق عليهم قول السلف: على نفسها جنت براقش. لأن الساعة كانت ساعة طعان، فانبرى أصحاب الشأن، وفتشوا عن منابع الشائعة، والأفواه المائعة،فانقضوا عليها انقضاض السباع الجائعة.

إني لا أراك إلا شاهدا مثلي غياب الجميلات، ذوات ” نقش الكمنجات في الخاصرة”، ولم يبق في ساحة الطعان غير الطبيبات “كالورد في ساحة المعركة”، غير الحوريات تقودهن أجمل القائدات. هل رأيت أجمل القائدات، وهي تطوف الأسواق والأزقة، توقف المسخرة، تلم الكركرة؟

لكن بعيدا عن وهم التبخيس، وهم التيئيس، دعنا نميط اللثام عن الفوائد الجمة التي جنتها الأمة من هذه الأجهزة الشيطانية، التي ابتدعتها الملة العلمانية. فهي مغانم لا يبلغها الإحصاء، ولا يحيط بها الاستقصاء، وكفانا شاهدا، نقل أخبار الجائحة، ومعاينة دموع النائح والنائحة، ليعلم القوم كيف تنتقل العدوى السائحة. وكفانا ما وجدنا في الفن من مشاهدة وإعادة، ووصل الأرحام البعيدة من إفادة. وما انكبابك على قراءة هذا الكتاب، أنت وغيرك من الأصدقاء والأحباب، إلا جزء مما ذكرناه في هذا الباب.

وأنا أنقل خطوك من باب إلى باب، أراني كما قال الشاعر:

غيري بأكثر هذا الناس ينخدع إن قالوا جبنوا، وإن حدثوا شجعوا

 

 

 

،

 

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.