الرئيسية / سرديات / مكالمة من الحجر الصحي _ عبد العالي بركات

مكالمة من الحجر الصحي _ عبد العالي بركات

الأحد 12 أبريل، الواحدة صباحا، أتى صوتها عبر الهاتف خافتا، لا أكاد ألتقط منه شيئا، رغم السكون، حاولت مرارا أن أقاطعها وأطلب منها أن ترفع صوتها قليلا، لكنها لم تترك لي المجال لذلك، واستمرت تتحدث بصوتها الخافت، لحسن الحظ أنني في تلك الأثناء كنت قد شغلت آلية التسجيل، ورغم أنني لم أكن أسمع أي شيء بتاتا مما تقوله، فقد كنت أجازف من حين لآخر بالتعقيب بألفاظ مقتضبة: نعم.. أجل.. بصح.. إييه.. دون أن أدري إن كانت تعقيباتي في محلها أم لا، عند انتهائها من الحديث، في واقع الأمر هي لم تنته، بل لابد أن تعبئة هاتفها نفدت، فكان من الطبيعي جدا أن تنقطع المكالمة.

لم أستطع بعد ذلك أن أواصل النوم، ورجعت على الفور إلى آلية التسجيل وأخذت أستمع إليها بوضوح هذه المرة، كان كلامها بالدارجة تقريبا، لكنني سأحوله هنا إلى تعبير فصيح إلى حد ما، لكن بأمانة:

“قل لي، كم الساعة الآن؟ مع الاعتذار أنني ربما أيقظتك من النوم، لم أعد أضبط الساعة ولا الأيام ولا الأسابيع، تصور، لم أخرج من البيت منذ أن أعلنوا عن الشروع في إلقاء الدروس عن بعد. لا أخفيك، لم ألق أي درس طيلة هذه المدة، الله يسمح لنا، لكنني لا أرى أي جدوى من ذلك، أعتقد أن الأسر يجب أن تنوب عنا في توجيه أبنائها وحثهم على متابعة دروسهم، يبدو لي أن كل التلاميذ يتوفرون على مقررات دراسية، يكفيهم أن يراجعوا هذه المقررات لكي يعودوا إلى فصول الدراسة وهم على استعداد لاجتياز الامتحانات، هل تتصور أننا سنخرج من الحجر الصحي في العشرين من هذا الشهر، أنا لا أعتقد ذلك، قل لي، اليوم السبت، أليس كذلك؟ أوف أعذرني إذا كنت أتحدث عن أشياء قد لا تهمك، إن ذهني صار مشوشا خلال هذه الأيام، وأنا أعرف السبب، فمنذ انقطاعي عن ممارسة الرياضة في النادي، صرت أشعر بأنني ماشي هي هاذيك، آه لو كنت أتوفر على بساط الجري، لظللت أركض طيلة المساء ولما وجدت الوقت الكافي لمهاتفتك والتحدث إليك، ههها… أعتذر، أرجو أن لا تكون قد أسأت فهمي.

أنا حزينة فقط لكوني توقفت عن هواية القراءة، أتوصل بالعديد من عناوين الجرائد عبر الواتساب، لكنني لا أجد راحة في قراءتها، شاشة هاتفي صغيرة ولا تسعفني في قراءتها، تمنيت لو كنت أملك آلة طباعة لنسخت كل تلك الجرائد وقضيت اليوم كله في قراءتها، ولما وجدت فرصة لمهاتفتك، أعتذر مرة أخرى، أرجوك، لا تسئ فهمي، لكن مع الأسف يبدو لي أن الجرائد كلها تتشابه في ما بينها هذه الأيام، لا حديث سوى عن وباء كورونا.. كورونا.. كورونا…متى سينتهي هذا الكابوس يا إلهي!

تصور، عدت إلى عادتي القديمة، صرت أتابع المسلسلات الدرامية بعد أن كنت قد انقطعت عن مشاهدتها منذ..منذ.. منذ 1993 إذا لم تخني الذاكرة، كانت تلك سنة تخرجي، كان آخر مسلسل شاهدته هو نار ودخان الذي كان قد مثل فيه كمال الشناوي والعديد من الممثلين الرائعين، لا شك أنك تذكر هذا المسلسل، منذ ذلك الوقت وأنا منقطعة عن مشاهدة المسلسلات سواء كانت مغربية أو مصرية او مكسيكية أو غيرها.

أتابع حاليا حلقات مسلسل مغربي، أعتقد أنه من آخر المسلسلات، ويبدو كذلك أنه سبق بثه، غاب عنوانه عن بالي، لكنني بمجرد أن أتذكر العنوان سأخبرك به، ولو بعد حين، أنصحك بمشاهدته، إنه يبث حاليا في قناة.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، صرت أنسى كثيرا، أنا عارفة السبب، منذ مدة لم أمارس هوايتي المفضلة، الرياضة، وحتى لو أردت ممارستها، فلن يكون بإمكاني ذلك، مساحة الشقة ضيقة، كما أنني أخاف أن أسبب الإزعاج للجيران الذي يسكنون تحت، لا أريد أن أصعد إلى السطح، أخشى أن ألمس شيئا بيدي فتلتقط أختك الفيروس الخبيث، خصوصا وأن مناعتي ضعيفة، وأصلا أنا أعاني من مشاكل في الجهاز التنفسي، كما أنني..”

عند هذه النقطة، انقطعت المكالمة الهاتفية، لا أعتقد أنها أقفلت الهاتف، يبدو بلا شك أن تعبئة بطاقتها نفدت، يبدو ذلك.. يبدو ذلك.

 

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.