أخبار عاجلة
الرئيسية / تشكيل / الفنان التشكيلي المغربي أحمد الأمين “عندما تخلد الريشة و الألوان حكايا الزمن ” بقلم محمد الصفى

الفنان التشكيلي المغربي أحمد الأمين “عندما تخلد الريشة و الألوان حكايا الزمن ” بقلم محمد الصفى

يعتبر من أبرز وجوه الحداثة الفنية المغربية على مستوى التشكيل، و من المجددين، صاحب مسيرة طويلة وغزيرة ومتنوعة في الإنتاج، يبدو من خلال أعماله وكأنه يعيد الزمن إلى الوراء، لمعانقة لحظة الانبهار و حب الاستطلاع الأولى كما الطفل في اكتشافه الدؤوب لمحيطه، فالتشكيل أو الرسم لديه هو ذلك الإنصات الهادئ لصوت الزمكان و شخوصه، حيث تجاوز تعلماته ومكتسباته الأكاديمية، إنه الفنان التشكيلي المغربي أحمد الأمين من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1966خريج مدرسة الفنون التشكيلية بالدار البيضاء فوج 1988 لينخرط في سلك التعليم كأستاذ للمادة بالبيضاء ثم منها لمراكش الحمراء و أخيرا بمدينة آزمور حيث كان الاستقرار، هذه المدينة التي يقول عنها، أنها كانت منبع و فيض إلهام و تفريغ للمكنونات الداخلية و مجال خصب للإبداع لعدد من المهووسين بالرسم و التشكيل خاصة و بباقي الفنون عامة، لما تمتاز به من جمالية الطبيعة و بساطة الحياة الاجتماعية، فنان يحيى داخل الإبداع ويمارسه بلذة وشغف، استعذب ممارسة الفن التشكيلي، فخلق لنفسه أسلوباً خاصا به، تميز به على الساحة التشكيلية على المستوى الوطني أو العربي أو الدولي من خلال مجموعة  المعارض الفردية و الجماعية انطلاقا من سنة 1987 بالدار البيضاء، حيث عرض بكل من الرباط، الجديدة، آزمور، فاس، تملالت، سطات، المحمدية، طنجة، أكادير، مراكش، وجدة، أصيلا، تطوان .. و بعدد من مدن كل من فرنسا و هولندا و البرتغال إسبانيا و إيطاليا و قطر و تونس و الجزائر .. كما نجده ضمن بعض المؤلفات و الموسوعات التي تعنى بالفن التشكيلي على المستويين الوطني و العالمي كإسم من بين أشهر الفنانين التشكيليين المتميزين.

أحمد الأمين فنان استطاع توظيف ذاكرته الاستيعابية بشكل فريد من خلال أعمال تحمل مشاهد يمتزج فيها الاحتكاك الثقافي بين ما هو تقليدي و ما هو معاصر وفق تفاصيل تم توظيفها بذكاء بالغ سواء على مستوى التوزيع و التدرج اللوني و الضوئي على مستوى الحياكة الفنية بهوية فنية رائعة، و حين تجالسه بمحرابه ( مرسمه) المطل على نهر أم الربيع تدرك أنك في حضرة مبدع مهووس بالرسم و التشكيل إلى أبعد حد، كل حديثه يتمحور حول الفن و مدارسه و كيفية الاشتغال و المشاريع المستقبلية و طرق استخدام المواد و توظيفها، عالم فريد حقا، وهو ما أدى به لابتداع لغة ألوان خاصة به، تليق بهذا الزمن، يحيي من خلالها تلك اللحظات التي تصعب قراءتها من زاوية واحدة، وفق حرفية في التوزيع و الدقة في اختيار الألوان و الظلال، و الدلالات المكملة لها، أشكال تلوينية تعبق بلون التربة تشي بجو مفعم  بالانسجام القوي ليشتد التقابل بينها، فتصيب بصيرة المتلقي قبل بصره وكأنها نوتات عذبة تنساب من شلال وفق متوالية  ساحرة. فهي تبدو كإشراقات تشكيلية ثقافية يمكن لأي متلق أن يجد فيها نفسه، وأجوبة لأسئلته العالقة، كما يستطيع عبرها من الغوص في لجة الحياة المغربية، ومعايشة وقائعها وشخوصها، وتذوق جماليتها القائمة على تناسق الألوان والظل والضوء، تقول عنه لصحفية و الناقدة الفرنسية FLORENCE COOK ” أحمد الأمين فنان يحب الحياة حد النهم، لذلك اختارته مدينة أزمور أو اختارها فليس هناك مدينة تشبهها ، بألوانها وهدوء حياتها وهذا ما يفسر طاقة الحب في حكاياته التشكيلية، فهو لا يتغذى فقط على ما تقدمه له طبيعتها المحببة، خصوصا أسماك السردين المفضلة لديه، بل تغدي لغته البصرية وأحاسيسه. ”

 

  لقد تمكن أحمد الأمين من خلال ما راكمه طيلة سنوات اشتغاله كأستاذ للمادة أو كفنان بصم بصمته في الساحة التشكيلية ضمن ألمع التشكيليين بشهادة نقاد و مهتمين، أن يخلق لنفسه مدرسة خاصة به بعيدا عن الواقعية أو الانطباعية أو حتى التجريدية كمفهوم حداثي، مدرسة أعاد بها صياغة عناصر اشتغاله ليصل بها إلى حالة البساطة اللامتناهية التي ترتكز على المنجز الإيجازي في اللوحة شكلا و لونا، بعد تجربة التركيبات الهندسية المعمارية التي اشتغل فيها على دروب و أزقة و مباني مدينة مراكش التي استلهمته بألوانها و ضوءها و ظلها  ” فضاء مراكش 1996″، و هو ما نستشفه في أعماله التي أطلق عليها مرحلة ” الأزمنة الزرقاء ” التي تزامنت مع ثورة الفضاء الأزرق – الإنترنيت- حيث اشتغل على اللون الأزرق كلون لولوبي يتناغم مع اللون الأبيض  حينا و أخرى مع الرمادي ;وفق طبقات، تعكس دلالات عميقة تبعث عن الأمل و الحياة و الاستقرار، لتليها مرحلة ” المقهى ” و الذي كان على هيئة مكان ” المقهى ” يتخلله  شخوص غير مكشوفة الوجوه، مع ظاهرة كثافة الموسوم في أعلى اللوحة و  حشد الفراغ في الأسفل، كمن يختلس النظر أو الاستماع عن بعد، و هو ما عبر عنه الناقد و الفنان التشكيلي بنيونس عميروش و هو يتحدث عن أعمال أحمد الأمين: ” عند الأمين، يستعير الموضوع المشخص تكوينه من التركيبات التجريدية المعاصرة، لذلك يمسي التجمع، تجمع الشخوص، تجمع الأشكال والألوان، تجمع اللمسات القوية الموجهة، تجمع الكل في أعلى اللوحة، المكان الموسوم بحدة  الكثافة في مقابل المكان الخالي من تناسل العناصر، المفروش باللون الواحد في اتجاه أسفل اللوحة، مما يؤسس تقابل المملوء والفارغ،ويؤلف تجابه الحركة والسكون. كأن الحشد لا يصر على كشف ديناميته وحرارته وتداخله إلا عبر قمة فضاء اللوحة، ولا يمتلك إلى أن يدوب وينحجب تحت عباءته في اتجاه المنحدر، يتلاشى على مستوى البصر إلى أن يغيب كليا، ليمارس التفرقة من داخل أجواء الفراغ، وهدوء السكينة، تعلن الشخوص سردها السري المترجم لتوقها إلى الانصراف بعيدا، إلى حيث التحرر من ضيق المكان، لتخترق إطار اللوحة …في هذا الحذف إذن، في هذا الاقتصاد الشكلي واللوني الذي يخدم مبدأ البساطة، تنتزع أعمال الأمين صبغتها الاختزالية والإقلالية (minimaliste) . عبر هؤلاء الرواة الهلاميين، ينتظم الرشم والتداخل والتنضيد(supperposition) والتكوين، وعبر الحركية الجمعية  يترجم الفنان أحمد الأمين لغته المترعة بخيال البساطة وبساطة الخيال” هذه الاختزالية استمرت مع أحمد الأمين في مراحل أخرى كالمرحلة الصوفية الثانية التي ركز فيها على بعض الجوانب جعلت الصورة أقرب تبدو من خلالها تقاطعات للخطوط، باصمة في نفس الوقت دلالات عميقة تتطلب الجهد في التأويل، فكما أن المتصوف يخفي الحقائق المتوصل إليها وراء رموز و لا يعرضها إلا دفعة دفعة، يبقى حال لوحات أحمد الأمين باعتمادها لكثير من إشارات التصوف المعبرة و الصادقة من خلال اللون والشكل و ضربة الفرشاة،  لوحات تبرز النضوج الفكري و القيمة الروحية التي استمدها الفنان منذ الصغر من حلقات الذكر و ” الفقرا ” التي كان يتتبعها دون أن يعرف أغراضها و لا فحواها، حيث تشكل وجدان الفنان منذ الصغر، فعبر بمصداقية المعتز بتراثه ومخزونه الثقافي، فنطقت اللوحات بمضمونها و سبر أغوارها. و في مغامرة نوعية أخرى انتقل بنا أحمد الأمين تجربة تشكيلية جديدة انطلاقا مما اختزلته وسجلته عدسته البصرية ” حكايات العشق ” موظفا مساحات لونية ساخنة ذات لمسة شاعرية تتداخل فيها  حركية أجساد غير مرئية و تموجات ألوان موحية بالبهجة و الفرح و العشق، و هو ما جعل الناقد التشكيلي إبراهيم الحـيسن يقول حول تجربته هذه التي تم عرضها بمدينة الرباط 2009   ” من الوجهة التقنية، يستعمل الفنان صبغة الأكريليك والرصاص والقطران والزيت كتقنيات تلوين متجاورة- Techniques voisines تنصهر داخل أسناد ولوحات ذات مقاسات صغيرة ومتوسطة..وتختزل في تحولاتها البصرية جماع مهارة تلوينية عالية . ولفرط صدقه في التعبير، يلجأ الفنان إلى إنجاز عشرات التخطيطات والإسكيزات التي تسبق الإنجاز النهائي للوحة. لذلك، تظل لوحاته تتحدث بألوان متناسلة ومساحات مطلية تنطق بأبجديات خطاب العشق والغرام “.

فالفنان أحمد الأمين كثير الاشتغال و الاعتكاف في مرسمه المطل على نهر أم الربيع و الحقول المنتشرة على ضفافه بشكل ملفت تشكيليا، حيث الهدوء و السكينة، و عند أي لحظة جفاف إبداعي و التي قد تمتد لأسابيع أو شهور، فتكون بمثابة إعلان عن مغامرة جديدة، قد تفرز موضوعا قد يكون امتداد لما سلف أو تجربة جديدة غير معتادة، وفق مواد و تقنيات جديدة، و هو ما أفرزته سنة 2015 من خلال مشاركته في معرض ” وجوهيات” التي قدم خلالها وجوهاً مختلفة منها من له موقعه في الساحة الوطنية و آخرون لهم بصمتهم العالمية، مستخدما أسلوبا تعبيريا مزج فيه تقنية كولاج الصورة الفوتغرافية و المخطوط الكتابي مع ضربات لونية قليلة، هلامية تارة و ضبابية في أخرى تبرز معه الوجوه بشكل مكشوف و تارة غير مكشوف، حيث تظهر الضربات اللونية السريعة والاختزال في التفاصيل على حساب المشهد العام للوحة الفنية فنرى ذلك الفيضان الضوئي المنبعث والذي يفرض على اللوحة تضاد لوني حاصل بين قيم داكنة تجاورها قيم ودرجات لونية فاتحة.

عن الثقافة أنفو

الثقافة أنفو مجلة ثقافية الكترونية تعنى بشؤون الفكر و الفنون تسعى أن تكون حاضنة ابداعية حرة وهي ترحب بجميع مساهماتكم وفق الشروط التالية المواد المرسلة بغرض النشر تكون ذات بعد إبداعي ومعرفي ثقافي فني وإنساني متميز. أن تكون المواد جديدة وغير منشورة سابقا. cultureinfo10@gmail.com ترسل المواد على البريد الإلكتروني للمجلة وتكون مدققة لغوياً إن أمكن المواد المنشورة تعبر عن آراء أصحابها.